ثقافة - جعفر العلوي :لوجوه بلا ملامح ، لألوانٍ داكنة وانفعالات تحيط بأجساد مشوشة ، حمّلتنا الفنانة اللبنانية منى نحلة عبر لوحاتها في معرضها الشخصي الذي تستضيفه دار البارح للفنون التشكيلية منذ التاسع من يناير ويستمر حتى التاسع عشر منه ، حمّلتنا عبء التفكير في داخل الإنسان من خلال إيحاءات جسده أو من خلال ألوان امتزجت خلف صورته ، كل ذلك ، بدون أن تحمّل نفسها عناء إحاطة تلك الوجوه وإغراقها بالتفاصيل.بدت لوحات الفنانة منى نحلة في معرضها ( لحظة في الوجدان ) سابحة في تيارات البورتريه الفني ، ألبستها منى شخوصاً بوجوه في خلفيات حمراء داكنة متفاوتة يحيطها الأبيض والأسود في محاولة لإستلال اللون من العمق الإرجواني الذي مكّنته في أغلب هذه الأعمال .تحمل أعمال منى في ( لحظة من الوجدان ) وحدة صارخة في الإسلوب والمضمون لجهة التجريدية التعبيرية حيث تسلب الشخوص جنسها إلاّ من تفاصيل الجسد التي لاتتضح بالأغلب ، وتتجه إلى السكون في الخلفيات اللا تفاصيل فيها إلاّ بالألوان المتناثرة - على قلتها - لتلخص بتجريدها عالماً من الجنوح النفسي والإنساني إلى البحث في الداخل عن علاج لمكنونات الداخل .مشاعر مختلفة وإنسان واحدفي لقاء للأيام الثقافي معها حدّثتنا الفنانة منى نحلة عن فكرة المعرض بالقول : يحكي المعرض بغالبية أعماله حكاية أشخاص يعبّرون عن مشاعر مختلفة من القهر والألم ، ويصوّر المعرض الإنسان في مروره بهذه الحالات حين يبحث في داخله عن علاج للتخلص من الأوجاع والآلام وحالات اليأس المتمكن في داخله ، فكانت الأعمال بمثابة لقطات تصويرية لهذه اللحظات لشخوص وحالات مختلفة رغم ضياع التفاصيل حيث تبدو شخوصاً متشابهة صُورت بأسلوبي الخاص .وعن النفسية التي أنتجت خلالها الأعمال تقول نحلة : هناك قسم من الأعمال أنهيته قبل الحرب وقسم آخر كان قد اختلط بمشاعر الحرب في إنجازه لذلك صارت الموضوعات وعناوينها في الجزء الآخر مرتبطة بالحرب ، ليست الحرب بمفهوم الدمار والإبادة والدماء وإنما الحرب لجهة الشعور الإنساني بالضياع والتشرد والخوف من الغد الناتج بعدها وماتتركه في نفسية الإنسان .إذاً .. الحرب .. أم الإنسان ؟؟ الإنسان ومشاعره ، هكذا لخصت الفنانة موضوع معرضها وأضافت : هو محاولة للبحث بداخل الإنسان عن الراحة لإيماني أنها لا تأتي دائماً من الخارج وإنما أحياناً يكون البحث من داخل الإنسان عن الطمأنينة .ولأن بعض الأعمال كانت بعد الحرب - تضيف منى - جاءت عناوينها أكثر تأثراً بتعبيرات الحرب وجاءت معاني الحزن في هذه اللوحات أعمق من اللوحات الأخرى مثل لوحة ( الحزن ) حيث تشعر فيها بأن الشخص مثقل أكثر بهموم الإنسان، ولأن موضوعي الإنسان ومحيطه كان لابد من رسم الإنسان في حالة شعور مغايرة هي حالة الحرب ولكن يجب أن نقر بأن الإنسان حتى بدون الحرب يحمل مشاكله وانفعالاته الداخلية وحياته الخاصة التي يمكن أن تخلق له أوضاع واضطرابات معينة ، وجاءت الحرب هنا لتشكل موضوعاً آخر ، و توضح : لم أعش الحرب تحت القصف والدمار لذلك كان الموضوع أبعد عن تصوير خلفيات الدمار وإنما كان ارتباطه أكثر بموضوع هجري الوطن لأكثر من شهر أثناء الحرب والسؤال الداخلي الذي طالما نطرحه على أنفسنا في تلك الفترة عن إمكانية العودة ، الحياة الطبيعية التي كنا نعرفها انتهت بالنسبة لنا ولا ندري هل سنعود لها أم لا ، الروتين اختلف كثيرا وأصبحنا بعيدين عنه ، كل هذا يشعرك كإنسان بأنك مسلوخ من أرضك ومن حياتك، ضياع فوق العادة، زيادة الألم والقلق والتوتر يجعلك تبحث عن أمل لتبتعد عن اليأس من أجل مواصلة الحياة الطبيعية وتحمل كل ذلك .إذا، هي تجربة داخل الموضوع أي أن الحرب دخلت كعنصر فرض نفسه على موضوع الفكرة لذلك كان إجبارياً طرح فكرة التفاؤل الغريزي عند الإنسان وليس المعالجة لوضع الحرب ولذلك أيضاً جاءت اللوحات بدون إظهار للدمار أو الخراب أي أن المعرض كان يصورالإنسان البعيد عن الخطر المباشر للحرب ولكنه واقع في الضياع الذي تخلفه الحرب.التقنية وإيصال الفكرة تعترف الفنانة منى نحلة بأنها لا تمتلك فكرة مسبقة عما سترسمه ( وإنما أمضي في الرسم حسب حرية الفرشاة وأمسك اللون الذي يستهويني في اللحظة لأنظر لما سينتجه وأتفاعل معه أثناء العمل ) .هذا الاعتراف يأخذها للإجابة عن أسئلة الشخوص في أعمالها فتقول: الأعمال تتضمن أشخاص عدة وليس هناك شيء متعمد في رسم شخصية أو شخصيتين أو ثلاث إلا في بعض الأعمال التي يوضح عنوانها ذلك.وعن ضياع التفاصيل في وجوه شخصياتها تقول : لا توجد ملامح لأنني لا أرسم هنا شخصاً معيناً وإنما هي رمزية للإنسان بالمطلق في هذه الحالة أو اللحظة والضياع هنا كرمز لهذا الإنسان وأشعر أنني حين أعطي الرسم ملامح فإني أحده بشخصية معينة، أنا أعبر من خلال اللوحة ككل من الألوان والتجريد، و الشخص الذي أقوم برسمه لا يأتي في العمل ككل وإنما جزء من تجريد، لذلك فإنك لو أخفيت الوجه بالكامل تبقى عندك لوحة تجريدية .وعن سر الأحمر الذي لازم غالبية الأعمال تضيف منى: الأحمر يشعرني بالاكتفاء و يعبر عن إحساسي كثيراً، لا استخدم الكثير من الألوان أثناء العمل وفي هذه التجربة استخدمت لونين ولون ثالث مفاجئ لكسر الروتين في اللوحة.نهاية البحث... الأمل رغم أنّ المعرض ككل جاء بثيمة واحدة إلاّ أنّ بعض الأعمال خرجت على السائد فيه إما من ناحية الألوان أو الفكرة، هذا التساؤل الذي طرحته تجيب عليه الفنانة فتقول : ليس هناك اختلاف، اللوحة السوداء كانت بمثابة الأرض التي تخرج منها الشخوص ولوحة العصافير كانت باعث آخر على الأمل . وتضيف : هناك لوحة في المعرض بعنوان الحب والحرب تحكي قصة معينة لشابين تزوجا على أنقاض المباني في بيروت بعد الحرب، أدخلت فيها الطيور من رمزية العمل ثم اقتطعت الجزء المتعلق بالطيور ورسمته في لوحة لوحدها في نهاية المعرض لتكون بمثابة نهاية، النهاية التي تمتلئ بالأمل والتفاؤل لكل موضوعات الحرب واعتبر نفسي قد وضعت النقطة على الحروف في هذه اللوحة .أحسست أني أقرب للفكرة دائماً أستخدم نفس التكنيك، لكن هذه المرة أضعت الملامح أكثر وقربتها من الاختفاء، هكذا تصف الفنانة تجربتها في هذا المعرض وتستطرد : الألوان جاءت داكنة أكثر والحركة بالألوان كانت أقل، أنا أعبّر بالألوان والتجريد الذي يعتبر جزء من المدرسة التعبيرية، ولأني لا أحاول إظهار قصة معينة كان التجريد أقرب لي لإيصال الفكرة . وكان كل جزء في اللوحة يكمل بعضه من تجريد ولون وانفعال أثناء العمل على اللوحة.وعن تميز هذه التجربة عن سواها للفنانة تقول : كل معرض يختلف عن سابقه، ثمة مايصل إليه الفنان بداخله يختلف عن المرات السابقة، هذه المرة أحسست أنني أقرب لما أرغب في الوصول إليه، رغم أن الفنان لا يمكن أن يتوصل إلى شيء، لأنه في حال حصول ذلك سيكون الفنان فاقداً للحيوية في العمل والإحساس العميق به.ما يميز المعرض أنه في البحرين تقول الفنانة عن تجربة البحرين : ليس هناك مايميز البحرين لجهة أن تعشق شيئاً فيها وفي الوقت ذاته ليس هناك ماتكرهه، هذه السلاسة والبساطة تجعلني أشعر براحة كبيرة عند زيارتي لهذا البلد الطيب، أشعر بالناس أكثر بطيبتهم هدوءهم ولطفهم وأدبهم، و كنت أجيء للبحرين من أجل أن أريح نفسيتي قبل أن أقيم المعرض .تجربة المعرض بالبحرين أضافت أكثر لهذا الشعور حيث وجدت أهل البحرين من المثقفين وممن يحملون إلماماً بأنواع الفنون ويملكون تقديراً للفن والفنانين وتضيف نحلة: الإنسان البحريني مثقف جداً وسهل التعايش والفنان البحريني أكثر ثقافة وتعايشاً لذلك أعتقد أنني قمت بخطوة كبيرة ومهمة بتجربتي هذه.____________________________________________________________________الأيام - 14 يناير 2007