كتب : علي الستراوي
بعد مضي أكثر من سحر على ريشة الفنان التشكيلي ''هشام زباري'' يأتي بملحمة جلجامش في ''حنين الخلود'' وهو المعرض الشخصي الذي حاكى عبره زباري تلك الفترة الزمنية التي شهدت قبل 4000 عام مضت على أقدم أسطورة عرفت في تاريخ الإنسانية وأبقت اللغز محيراً، وعبر مداخلة أولية بين اللوحة والنص، أبصرت تلك العلاقة التي شكلت ظلالها المريحة على ذلك البوح المسكون بشغف اللون والبصيرة التي انطوت عبر عوالمها، وعبر أحلامها بين فيض سكن اللوحة وحرك كوامن الروح، في رؤية تشكيلية معاصرة لتلك الملحمة الخالدة التي أشار إليها الفنان عبر لوحته المصاحبة للنص قائلا: هو الذي رأى كل شيء، هو الذي عرف كل شيء.
وعبر نص قرأ اللوحة فاحتضنها شعرا، أبوح بنهار اللغة لأستظل مع زباري تلك الحكايات اللونية، عبر خطوط شكلت عندي بدء ذلك السحر من البوح. الحكاية الأولى لمنيرة ومحمود يشهدُ العمر بما لكما من حنينوتشهدُ السنون أنكما دفء البيتحكايةُ الجدود أول البناء فلتكن رسالتكما.. صحوة السماء في البرق شهكذا رأيت ظل جدي بجنب جدتي عبر ذلك المفتون من النور، كلما امتدَّ معنا، دخلنا البيت الكبير الذي في صحوته عالم من المثل لم تبُر.آه ياصحوة الوطن، لنرقص على دفة السفينة، ونغني اليامال على جذوع نخلنا الواقف في اليباس، أمام علو ناطحات السحاب، ما أجملك ايها الوطن وأنت في صحوة جلجامش تغني الحياة، فما كانت ''منيرة'' سوى صحوتنا الباقية وماكان ''محمود'' سوى زادنا عندما نجوع.آه اشتاقك أيها البيت الكبير بالذكريات.الحكاية الثانية ''الرواة''.. سلالم الحلم يتكئ بنا حمام الروح، حيث تلك الاختلاجات الحنونة...تنداحُ في الشعور..تنداح في رحمة الرب لك المجد..ولنا الصبريا زمن الطوفان، من علمك المداهمة ؟من قال لي استرح..يا من شاغلني بلونه وأعادني حكاية أستريح ونهار الخلوة سمو القادة حينما مرّ ''انكي''وحينما عرفنا سرّ نبتتنا..أيها الخلود الهش..أيها الفضول الكبير بالمداهمة.أوجاع تكبو على وجع القلب، تسامر الخلان عبر ''رواة'' الملحمة الأولى، حيث انحدارنا تحت سلال الأنتظار حنين مرتقب، كلما أوغلنا في الجنون رسمنا له وجهته للطريق، وجلسنا وجلس ثورٌ يترقب صحوة عوالمه الشاهدة على مغامرته الأولى، كلما شاخت الأجساد، انبلج نور قمر جديد عرفَ المغامرة وسافر في التيه.الحكاية الثالثة:''جلجامش'' نافذة البصيرة مدركٌ يفتح ساعديه للريح..يسافرُ في أتون الجمر يلون ما حوله بالبصيرة سرْ أيها المترجل بحلمك فالحكاية لازالت عند عتباتها الأولى ولازالت سُفنك عند أول امتداد للبحر سرْ أيها الجدير بالمغامرة فالردة ليست مانعة لخطاك لأنك لون الشمس في نهارها الجميل.تداهمنا بالنور، نافذة يشيخ بها العمر ولاتشيخ عبرها الحكايات، سرها من لهفة الحياة، ومن جدائل الضوء حينما يشتغل الأنسان بأخيه الانسان، وحينما يكون الصخر أول رسالة تبني حضارتها، فليس عجباً على الموت انشغاله بفضول الأنسان، لأن أول الخطيئة ذلك الخوف من الرديئة.وأول الانتصار إيماننا بالحياة، سرّ الجدل المدفون بباطن الأرض.الحكاية في سرّتها جدل لم ينته وسماء لازالت تحيك أمطارها بواقع البرق والرعد.الحكاية الرابعة: طقوس في ''معبد ايانا''ينبلج الصبح بواقع لغة العصافير والحكاية تجدل ظفائرها في عيون اللون صلاة أول السحر بيت يغسلنا من همومنا نرتديه كفضة الأشياء ألق الأشياء .. عندما يسبح الفجروقبل مداهمة النهار لفضائنا نفر بجلدنا الحياة ظنك الخطى نسير عبر جهاتنا المحملة بالورد..وفي ''معبد ايانا'' نشتغل بالتنسك.نيزكٌ والمدى سكر الخلق.خلطٌ من الوان الطيف .. متداخلة عبر خطوطها، حيث ذلك البصيص من الحلم يسقي بذرته بماء الزعفران، وعبر ديك الحياة اليقظ يصدح في صباحه بالأذان حيث الروح تحتمي بين جناحي لوعة الشوق، إنها شكل من كوى تفتح لغتها لتحكي بواقع السجال الذي لم تغلق أوراقه حتى لحظة مداهمتة الطوفان للمدينة، سرها أكبر من أن يحكى!وأكبر من أن ينسى! لأنه ألف الواقف والعلاقة المتينة بينه وبين ''الصندوق النحاسي'' كلما أوغلنا في الحلم كلما ازددنا قسوة على حلمنا، لأن جلجامش ظل ماسكاً بشعلته، مقترباً من أشكالٍ انشغل بها الكون قبل انشغاله هو بماهية الحياة.إنها في رسالة المدينة ألوان من الحيوان والأنسان، لغة يربطها بعضها ببعض ذلك السر، وتلك الشهب التي أمطرت ضوءها لحظة الطوفان.الحكاية الخامسة:''انكيدو'' يغتسل بماء الحب مدرك أنك بين الورد والنبض لغةيا أول الشذا في الورد وياحمامات الحب في لعبة التحدي لك في ''أرورو'' اول الخلق في زمن الطين أحبك ..وأشتغل بمائك العنفوان ...لعبة من حياة وحياة من الحب.هي تبصر تأملها، تسافر في ليلها لتعيد تأثيث قلبها بماء سكر الحياة، لأنها قد حدثت النهار بلون البهجة واستعادت سعادتها على جناح حمامة واعدة تزق الحب في جراب القلب.التأمل ظل في خطابه ذلك الحديث الذي عانق الفضاء في ولهه، وأعاد لنا صفرته لوناً جديداً يعني العشق.الزهور على أعرافها أعادت صحوة التحدي في لغة انكيدوا انشغالاً يعلم المثل، حيث البوح في السرِّ عناق آخر فتح جهته في احتضان الشهوة السامية بلغة القلوب، كلما أوغل الشوق فيها ظلا معاً يحتسين الحديث في البوح.الحكاية السادسة ''الصراع'' ثورة البركان هم ساروا في خطيئتهم فاستباحوا الضرع والزرع وفي ليل لم يدركوا انشغاله ..انفجر الحجاب عن نطاقه لوعة من وجع وجع من لوعة الانتظار الليل انكسر في الصراع فكانت الحكاية ..نهار لم يدرك ليلته قصَّف حصيرة الروح واستعادنا في المسخ الم يدركه الفرح .ولم تغادره الشفاة يا أول السر.كانت اللعبة أقوى من أن يدركوها، كوّروا قبضتهم فأغضبوا الإله وحرّكوا كوامن الخطيئة، فانفجر الكون واحتمينا بالغضب، وبلغوٍ جديد، أشعلنا بالصراع في أول يوم عرفنا فيها نبض الأرض.الحكاية السابعة:"حسبابا" يانهار الوجوهلونهم أطيب من أن يقال عنه وله أول البهجة جذر ''حسبابا'' تسيخ في عالمها أيتها الروح قفي!الفجر لك حكاية وحكايتنا فجرك المنتظر قبل أن ينام الخلق دخولٌ لم ينقطع أهدانا عناقه فاسترحنا في التأمل، لأن الوجوه لحظة انشغالنا بها، انحدر الخوف وهدأت العاصفة.الحكاية الثامنة ''عشتار'' لغة العشق من لم يعرف عشتار ..لم يعرف العشق فاحتضني أيها البهيج من الغناء وعلى قيثارة الروح اعزفني نغماً كانت لنا الصحوة ميلاداً جديداً، اغتسل في نهر الشوق مخترقاً كل حواجز المنع.وعلى صهوة ''ميدوري'' في حكايتها العذبة استعدنا بطولتنا مع ''انكي'' صحوة الحب و''بذورالحياة'' يازهرة في الخلود أعيد لنا روعتنا في العناق.رؤية في الرؤيةولن أجزم أنني قرأت اللوحة بما كانت تحوي عبر ريشة الفنان هشام زباري، لكنني عبر نص من نبض آخر تداخلت مع اللوحة فقرأت هجس زباري بلغة أقربها القلب ويظل البوح أصغر التفكير في لغة البصيرة.
________________________________________________________________________جريدة الوطن - 8 يونيو 2006