عبدالله الشملاوي
الجنسية هي رابطة سياسية، وقانونية بين الشخص ودولة معينة تجعله عضواً فيها وتفيد انتماءه إليها، ويغدو في حال تبعية سياسية لها. ويسمى من يتمتع بهذه الرابطة وطنيا. أما الذي لا يتمتع بها فهو الأجنبي. ولجنسية الفرد أهمية كبرى في تحديد شعب كل دولة، وفي بيان حقوق الشخص وواجباته؛ إذ إن للوطني حقوقاً أكثر وعليه التزامات أكثر من الأجنبي. فالحقوق السياسية مثلا، قاصرة على الوطنيين ولا يتمتع بها الأجانب، وبعض الواجبات قاصرة على الوطنيين فقط كالخدمة العسكرية. والوطنيون لا يجوز إبعادهم عن إقليم الدولة، بعكس الأجانب.وكما تكون الجنسية للأشخاص الطبيعيين (أي الأفراد) فإنها تكون أيضا للشخصيات الاعتبارية كالشركات، فالقانون التجاري في غالبية الدول يعترف بجنسية الدولة للشركات المساهمة التي تؤسس على إقليمها والتي يكون مركزها الأصلي فيها، بصرف النظر عن تعدد جنسية الشركاء. والجنسية إما أن تكون أصليه أو مكتسبة، والجنسية الأصلية هي الجنسية التي تثبت للشخص لحظة ميلاده. ومن أجل هذا وصفت بالأصالة باعتبار أنها الجنسية التي تلحق الشخص عند اتصاله بالحياة. ويسميها بعضهم جنسية الأصل أو الجنسية المفروضة أو جنسية الميلاد. وتختلف الدول في الأساس الذي تبنيها عليه. فقد تحدد الجنسية الأصلية على أساس السلالة وتعرف بـ ‘’رابطة الدم’’ وبمقتضاها يكون للولد جنسية أبيه. وفي ذلـك يقولــون إن تفسير رابطة الدم يقصد بها أن الأب هو المسؤول عن عملية وجود الجنين. أما الأم فليست إلا وعاء، أخذا من قول الشاعر ‘’بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد’’.وتأخذ البحريـن وسائر الدول العربية بهذه النظرية على رغم ما فيها من اتصال بالموروث الجاهلي المنافية للعلم الحديث وإن كانت البحرين قد فقدت هذا المعيار لأسباب محض سياسية، فساوت بين البحريني الذي تعتبر عظام أجداده من مكونات تراب البحرين، وبين من وطأت قدماه البحرين بغرض التجنس أو التجنيس، لا بل إن هناك مواطنين بحرينيين لا يعرفون أين هي البحرين إلا سماعاً في الوقت الذي حرم فيه ابن البحرينية من جنسية أمه إذا كان والده غير بحريني، ولم تتيسر له ظروف اكتساب الجنسية لسبب غالبا ما يكون سياسياً، كما هو الحال بالنسبة إلى تشريع الجنسية لكثيرين لا يستحقونها. وعند بحث هذا المذهب نجد أنه يقوم على نظرية علمية خاطئة؛ ذلك أن الطفل عند بداية تكوينه ينشأ ويتكون من ستة وأربعين كروموسوم. ثلاثة وعشرون من الأب ومثلها من الأم، وطبقا للبحوث العلمية، التي أكدت تساوي نسب الكرومـوسومـات في الخلـية الأولى للجنين -العلقة - يتضح أنهما متسـاويان منذ اللحظة الأولى، أي عند عملية تكون الجنـين كعلقة. يضاف إلى ذلك أن الأم هي المسؤولة عن حمل الجنين وتغـذيته مـن دمـها ومن روحها طيلة فترة الحمل، ثم بعد ذلك فترة الرضاعة وهي سنتان كما يقول الدين والطب. ونعلم أن الأطباء وعلماء النفس مازالوا يؤكدون على أهمية لبن الأم في تنشئة الطفل. ولا ننسى أن عـلماء النفس والاجتماع يؤكدون أن السنوات الثلاث أو السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل هي المسؤولة عن تكوين وتأسيس شخصيته كإنسان. أي أنها أخطر سنوات العمر وهي السنوات التي يكون فيها الطفل لصيق الصلة بأمه؛ وعليه يمثل منح الجنسية لمن ولد لأب بحريني وحجبها عمن ولد لام بحرينية، يمثل اعتداء صارخاً على مبدأ المساواة المنصــوص عليه في الدستـور البحريني وكـذلك المادة التاسعة من اتفاقية المرأة التي توجب على أعضائها منح المرأة حقاً مساوياً لحق الرجل فيما يتعلق بجنسيتها وجنسية أطفالها والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة سيما وأن البحرين أصبحت تمنح جنسيتها لكل من هب ودب، ولغير مستحقيها في غالب الأحيان. وقد تتحدد الجنسية على أساس مكان الميلاد وتسمى بـ ‘’رابطة الإقليم’’ وبمقتضاها يكون للفرد جنسية الدولة التي ولد على إقليمها بصرف النظر عن جنسية الأب، وهو المذهب الذي تأخذ به بريطانيا والولايات المتحدة وكندا وكثيرا من الدول المتميدنة.وغالباً ما تمزج الدولة بين الأساسين فتحدد جنسيتها بصفة رئيسة على أحد الأساسين - رابطة الدم أو رابطة الإقليم - مع الاعتراف بمكان محدود للأساس الآخر. أما الجنسية المكتسبة، أو كما يسميها بعضهم باللاحقة أو الثانوية المختارة، فهي تطلق على الجنسية التي يكتسبها الفرد بعد الميلاد. ويحصل عليها الفرد إما بالتجنس، وهو يتحقق عندما يستقر الفرد نهائياً في دولة غير موطنه الأول، فتعطيه هذه الدولة جنسيتها إذا طلبها وكان مستوفيا لشروط اكتسابها، وإما بالزواج، إذ تقرر قوانين بعض الدول حق الزوجة في اكتساب جنسية زوجها بمجرد الزواج كما كان القانون البحريني قبل التعديل. أو بطلب تقدمه الزوجة لسلطات دولة زوجها كما هو الحال في التشريع البحريني النافد الآن وهو حق مقرر في الواقع لزوجها المواطن وتحرم منه هي فلا يستطع زوجها الأجنبي أن يتمتع بجنسيتها، وهو شكل آخر من أشكال التميز ضد المرأة واستسلاف لقيم البداوة. ولكل دولة كامل الحرية في تنظيم جنسيتها وما يتفق مع سياساتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية فتقوم بإصدار قوانين تنظم بها الجنسية والأساس الذي تقوم عليها وطرق اكتسابها. وقد أصدرت البحرين في سنة 1963 قانونها الخاص بالجنسية برقم 8 لسنة 1963 والذي عدل العام ,1984 وهو القانون المعمول به حاليا بعد أن طالته يد التعديل بالمرسوم رقم 12,.89 ولن نتطرق في هذه الدراسة المتواضعة لموضوع الجنسية عموماً وإنما سنقتصر على البحث في جزئية بسيطة من موضوع الجنسية وهي الخاصة بجنسية الشخص المولود لأم بحرينية، لنلقي الضوء على موقف القانون البحريني منه، ومدى امكان اكتساب هذا الشخص للجنسية البحرينية أو حرمانه منها، والعلة في ذلك.للحديث صلة.
______________________________________________________________جريدة الوقت - 28 يناير 2007