"ميثولوجيا المحظور وآليات الخطاب الديني – المرأة المسلمة بين السياق والتأويل"- منشورات سلسلة دفاتر الاختلاف، العدد الأول، مطبعة سجلماسة، الطبعة الأولى، شتنبر 2005
الحجم المتوسط، 99 صفحة.
من مقدمة الكتاب:
المقدس موجود ويتجلى باستمرار في كل شيء ولدى كل المجتمعات وقد تعددت أشكاله وتجلياته، وقد تختلف علاقتنا بالمقدس وتتباين مع أشكال العلاقة التي بناها العرب قبل وبعد الإسلام.
فالمقدس مفهوم لا يحاول أن يدفع مخترقه، فهو دائب التحول يتعرض باستمرار للخرق الاجتماعي والسياسي حيث لا يمكن للإنسان أن يعيش من دونه، " فالناس بحاجتهم للمقدس حاجتهم للخبز" (1).
فالمجتمعات العربية والإسلامية تستهلك من الحقائق السوسيولوجية والأفكار الشائعة بالقدر الذي لم تعد تبحث فيه عن أصل تلك الأفكار الضخمة التي أصبحت ملازمة لثقافة تحاول أن تطرح نفسها في مواجهة الآخر بمنطق حضور الذات في غياب الآخر، وبذلك توجب على الباحثين أن يهدف عملهم النقدي كما أعلن عن ذلك حليم بركات " بشكل من الأشكال إلى الكشف عن الجذور التاريخية والأبعاد الأسطورية "لهذه الحقائق السوسيولوجية " تمهيدا لزحزحتها وتغييرها"(2).
ليس للمقدس خاصية الثبات والسكون، فهو متحرك ودائم التحول يخضع لطبيعة المجتمعات يختلف من مجتمع إلى آخر ومن دين إلى آخر.
فما هي مشروعية المرور من النص الديني إلى تأويله؟
كيف يعتبر العقل الديني أن ما جاء به المفسرون مقدسا بدوره؟
فمحمد أركون يعتبر أن العقل الديني " لا يطرح إطلاقا مشكلة مشروعية المرور أو الانتقال من مرحلة الوحي إلى مرحلة المعارف المنجزة طبقا للمنهجيات الفقهية "(3).
وإذ يقر أركون بصلاحية منهجية استنباط الأحكام الشرعية من النصوص المقدسة عن طريق التأويل والتفسير ويعتبرها المنهجية الشديدة الخصوصية لارتباطها المتين بالعقل الديني وآليات اشتغاله وممارسته، يفرق بين طريقة اشتغال الخطاب الديني في بنيته اللغوية الألسنية المحضة وطريقة اشتغال الخطاب التحليلي والفلسفي المفهومي (4).
إن استشهادنا بالنصوص الدينية بدوره سيكون هو الآخر شكلا من أشكال الاجتهاد في فهمها وتفسيرها، فالنص الديني يتفاعل مع كل المفاهيم الفقهية التي تعيد إنتاجه من اجتهاد وتأويل وحكم.
فالقواعد التي تحيط بالنص الديني مضبوطة ومحددة في الفقه الإسلامي إلا أن الشروط الجديدة التي تمكننا من نقد العقل الفقهي ما زالت لم توظف كاملة بسبب عقم البنية الثقافية التي ما زالت تتأرجح ما بين الوفاء للماضي والانتساب إلى الحاضر.
يبقى القول بان الاشتغال التأويلي للنص الديني محاولة للقراءة يمكن أن تُدلل على ما قد ينتاب عصرنا من إشكاليات مستعصية على الفهم بقدر ما تكون تحليلا موضوعيا للنص الديني.
لقد تطرقت في هذا الكتاب لمسألة التأويل وكيف استوطنت الصيغة التوراتية خطابنا الفقهي حتى أصبحت جزءا من المخيلة الشعبية وبالتالي أصبحت خطابا سائدا غدت معه المرأة كائنا ذو فضاء أسطوري، ما يزال يلح على العقل العربي والإسلامي أن يسائل تاريخه كي تستعيد المرأة واقعيتها.