بوابة المرأة - هناء بوحجي
في الثمانينات استقرت خديجة باسلار على قرار الالتحاق بكلية الفندقة لتسجل خروجا على المألوف ، اذ كان خريجو وخريجات الثانوية العامة يتجهن الى كليات الأعمال والتجارة مع ازدهار قطاعات الأعمال والبنوك. كثيرون منهم لم يعرفوا الهدف من وراء تخصصاتهم في الادارة والمحاسبة والعلوم التجارية سوى انها وظائف تدر دخلا كبيرا. وكانت خديجة تبحث عن تخصص مختلف تستطيع أيضا به أن تظل الى جانب عائلتها التي فقدت عائلها في ذلك الوقت ولم تكن تعرف حينها انها تسطر تاريخا للمرأة البحرينية في قطاع الفندقة وتتبوأ لقب رائدة في هذا المجال .
بكل إخلاص عملت خديجة في مطابخ فنادق الدرجة الأولى دون أن تترقب شي سوى الجودة في عملها لتجنى ، ودون أن تخطط لذلك، سمعة طبقت آفاق الدرجات الأولى ولتجد نفسها من جديد رائدة في قيادة مطبخ الحلويات في أحد فنادق الخمس نجوم في البحرين وتصبح المرأة البحرينية الأولى التي تصل إلى موقع رئيس الطهاة في مطبخ الحلويات في البحرين وفي الخليج. وتدرجت خديجة على مدي ربع القرن الذي قضته في هذه المهنة في أربعة مواقع بقيت في الأخير وهو مساعد رئيس الطهاة"الشيف" لمطبخ الحلويات 9 سنوات حتى تمت ترقيتها إلى رئيس الطهاة في فندق انتركونتيننتال ريجنسي.
عن بدياتها تقول خديجة:" قضيت فترة التدريب في فندق الشيراتون، وما أتذكره من تلك الفترة انني عملت تحت قيادة شيف ألماني كان شديدا، وصارما" وتضيف" برغم انه كان صعبا ولكنني اكتسبت سلوكا عمليا أحببت أن ابقيه صارما طيلة السنوات الخمسة والعشرين التي تلت بدايات عملي فيندر ان أتأخر عن عملي أو أن أتغيب الا للظروف الصعبة جدا التي لايمكنني ان أتجاوزها " وتبتسم قائلة :" أنجبت جميع أبنائي وأنا في هذه المهنة وكان زملائي يمازحوني بأنهم لايودون أن يروني في اليوم التالي عندما أكون في الشهر التاسع وأترقب الولادة في أي لحظة."
أحد مدرائي الانجليز قال لي مازحا ذات مرة وأنا في أواخر حملي بأبني الأخير : "ان رأيتك غدا سأضعك في الفرن حتى أعجل من ولادتك" وأجبرني للراحة في اجازة قبل الولادة، وكنت فعلا على وشك الولادة اذ ولدت أبني الأخير في اليوم التالي"
ولخديجة أربعة أبناء هم محمد 19 سنة، بدرية 17 سنة، عبدالله 9 سنوات وحمد 8 سنوات.
خبرات من الشرق والغرب
حظيت خديجة بحضور والمشاركة في دورات عديدة في عواصم الذوق الراقي في صناعة المطاعم والفنادق مثل فرنسا وسويسرا حيت تعلمت في الأولى الكثير من اتيكيت موائد الطعام وأهمية النكهة والذوق الرفيع في إعداد الحلويات والمأكولات بشكل عام ، فيما تعلمت من سويسرا التي قضيت أسبوعا في مصنع كبير للشوكولاته كيفيه صنع الشوكولاته،وعن هذه الرحلة تقول خديجة:"بعد عودتي من سويسرا أصبحت "اقدر الشوكولاته كثيرا لمروري بمراحل صناعتها من مرحلة جلب بذور الكاكاو وحتى إضافة مستحلب الكاكاو ثم النكهات فالقولبة حتى يصلنا في صورته الأخيرة. والى ماليزيا ودول الشرق الأقصى ذهبت خديجة ماليزيا والى هونج كونج لتضيف الى مهاراتها مذاقا مختلفا ونكهة شرقية.
تقول خديجة:" تبهرني في هذه الدول على وجه الخصوص مهرجانات التذوق والمعايير الصارمة التي توضع لاختيار الطبق" وتعترف :" لكل لسان مذاق خاص وأشعر دائما أنني لا أود ان أشارك في مسابقات التذوق في دول كثيرة ذهبت لها لايماني ان معايير نجاح الطبق تختلف بالتعود على مذاقات معينة."
فنون الحلويات
مرت خديجة في بداية تدريباتها بجميع الأقسام في المطبخ ، وتقول " بعض الفتيات كن يحجمن عن العمل في قسم تقطيع اللحوم ولكنني صممت أن أكمل تدريبي كاملا لأعطي نفسي الفرصة لأختار من بين الأقسام المختلفة التي تطرقنا لها أثناء الدراسة ، وفعلا مررت بجميع الأقسام التي استمتعت فيها كثيرا ولكنني ما أن دخلت إلى قسم الحلويات حتى أحسست بمتعة كبيرة وقررت أنني أود أن استقر فيه" ، وتصف العمل في قسم الحلويات بأنه عملية فنية متجددة كل يوم ، وبها مجال كبير للابداع "
ابتكارات
للتمر مرتبة خاصة لدى خديجة فهي تراه عنصرا يمكن ان يدخل في أطباق كثيرة وبالإمكان ابتكار أطباق حلويات لاتحصى منه ، وتفخر خديجة بأن طبقها المبتكر الأول هو من التمر الممزوج بالجبنه.
وتقول :" في الغالب لاأمانع كثيرا في إعطاء وصفاتي حتى المبتكرة منها لزبائني اذا ماأبدو إعجابهم الشديد بأي منها ولكنني أحتفظ بشكل خاصة بوصفة طبق التمر المبتكر الأول لأنني أشعر فعلا بالفخر به وأود دائما ان يتذوقه الناس من يدي "
وفي هذا السياق تؤكد خديجة أن إخفاء الوصفات يعتبر من أكثر عوائق عدم التعاون بين العاملين في هذا المجال، وتستذكر أن رئيستها وهي من جنسية أوروبية كانت تكتب الوصفات بلغتها غير المتداولة في البحرين، كما أنها تسارع إلى إخفائها في جيب في كمها فور الانتهاء منها.
وحيدة بين الرجال
منذ أن بدأت خديجة مهنتها، وجدت نفسها وحيدة بين زملاء من الرجال إذ يصعب أن يستمر في هذه المهنة سوى من يعشقها ويشعر بالمتعة فيها ، وتقول خديجة" أشعر بمتعة كبيرة وأنا آت كل صباح إلى العمل ، وكلما تطلب عملي ابتكار أطباق جديدة أشعر انني أمام تحدي لإخراج لوحة فنية ولذيذة الطعم في آن واحد" ، ولا تشعر خديجة بالوحدة في المهنة التي يغلب عليها الذكور وتقول مبتسمة :" على العكس أشعر كأنني أميرة وأتمتع باحترام جميع زملائي العاملين معي، وتتحول العلاقة بيننا إلى زمالة ونصبح كالاخوان تماما". وتتذكر :" في بداياتي عملت مع زميلة في المطبخ في نفس المستوى ولكنني فضلت الانسحاب الا مكان آخر لان التنافس يتحول إلى شي آخر ضاغط على الأعصاب ويؤثر بالتالي على الأداء والتقدم، وهذاالشي أراه يتكرر أمامي للأسف ،وتضيف ضاحكة" المرأة لاتطيق التنافس مع المرأة في المطبخ."
الجيل الجديد
تضرب خديجة مثلا للجيل الجديد بأهمية العمل الذي تؤديه ورقية ، فهي تفخر بتدريب عدد من البحرينيين الذين كونوا مشروعاتهم الخاصة فيما بعد بناء على مهاراتهم التي اكتسبوها من العمل في الفندق والتدريب على يديها.وتشير إلى أن أحد الشباب البحرينيين انشأ مخبزا خاصا به، وآخرا أقام مطعما، فيما عدد من صديقاتها استعنّ بها لفتح مقاهي ومطاعم . وبرغم دورها الكبير في مساعدة الآخرين في إقامة مشاريعهم الخاصة ومهاراتها وخبرتها الا أنها لاتفكر في ذلك خصوصا فيا لوقت الحاضر، ويحدها أمران :"حاجة المشروع إلى رأسمال كبير لايتوفر لديها الآن، والثاني حبها الشديد لمكان عملها الحالي في فندق انتركونتيننتال ريجنسي الذي تقول أنها كبرت فيه منذ أن بدأت أولى خطواتها في هذه المهنة.ولكنها تحمل في قلبها أمنية أخرى وهو إقامة مدرسة للطبخ وتعليم فنون الاتيكيت وآداب المطبخ والمائدة وخصوصا بعد إغلاق معهد الفندقة الذي درست فيه ،وتقول الملاحظ أن فتياتنا وحتى الشباب لا يعرفون كيف يتدبروا شئونهم في تحضير الطعام ووجود مثل هذه المدرسة سيساعد بشكل كبير على تنمية المهارات اللازمة للبنات خصوصا المقبلات على الزواج وتكوين العائلة.
معيار خديجة
تكن خديجة امتنانا كبيرا لزوجها الذي تقول عنه انه ساندها كثيرا في حياتها العملية، ولم يعيق يوما برامج تدريبها الخارجية أو ضرورة بقائها في العمل لساعات طويلة بل كان المساند لها وهو أمر كما تقول "وفر لها صفاء ذهني وساعدها على الابتكار والإبداع والنجاح." كما تحرص خديجة على وقت العائلة وقضاء إجازاتها مع أولادها مشيرة إلى أن مهنتها تضفى جوا مميزا وجميلا على المنزل في أوقات تحضير الوجبات عندما تكون متواجدة في المنزل فتطلب من الجميع إن يدخل المطبخ ويساهم في تحضير الوجبة معها وتقول إن هذا الأمر يضفي الكثير من المتعة على حياتها العائلية.
وبرغم تجاوزها الرهبة من تحضير الوجبات لكبار الشخصيات من الداخل والخارج والتي توكل لخديجة مهمة تحضيرها خصوصا بعد هذه السنوات الطويلة، الا ان عينيها تتعلق بزوجها (هشام) كلما فرغت من طبق جديد، وتقول "لازلت أترقب ان يعجبه الطعام الذي أعده له، ولأنه ذوّيق ويجيد الطبخ أيضا فانا أؤمن بحكمه على جودة الطبق لا يهدأ لي بال حتى أرى الرضا في عينه."