بسمة الخطيب
القاهرة: خالد شحاتةكاتبة لبنانية صدر لها العديد من الأعمال الإبداعية التي تعبر عن موهبة حقيقية كان آخرها المجموعة القصصية "شرفة بعيدة تنتظر" التي لاقت احتفاءً من النقاد.الناقد الكبير د. جابر عصفور وصف كتاباتها بأنها تبدو كما لو كانت مقطوعات موسيقية تعزف بطريقة فريدة، أما الشاعر اللبناني عياش بيضون فيرى أن قصصها تضم تفاصيل بسيطة تخلق حالة بين الغموض الشفاف واللهفة المكبوتة!ضيفتنا هذا الأسبوع هي الكاتبة بسمة الخطيب..ماذا تعني لك الكتابة؟الكتابة تعني لي الكثير وأحياناً تمثل الشيء ونقيضه فهي متعة وألم في الوقت نفسه، كما أنها تواصل مع الآخر وعزلة في الوقت ذاته.. أكتب لأن لدي شغفاً بالكتابة نفسها وليس لأني صاحبة رسالة أو أيديولوجيا أو أحاول تغيير العالم، أكتب أخاطب من يحب أن يقرأ، ولست منشغلة كثيراً بتحديد هوية القارىء لأنني أعرف أن القراء قلائل وليس زمننا هذا هو زمن الكتاب والقراءة.صدرت لك المجموعة القصصية "شرفة بعيدة تنتظر".. ترى ماذا تنتظر الشرفة؟تنتظر كل ما يخطر ببالك حتى تقرأ الكتاب وما سيخطر ببالك وأنت تقرأه وبعد قرءته.. تنتظر كل حلم يراودك وكل خيال بأسرك، كما أن الجملة مأخودة من إحدى القصص حيث تتذكر الفتاة حبيبها الأول بعد سنوات وتتخيله واقفاً عند الشرفة ينتظرها كما كان يفعل دوماً، واخترت كلمة "شرفة" لأن في القصص شرفات كثيرة وقد انتبهت لهذا لاحقاً أي أنني لم أتعمد الأمر، فالشرفة فضاء رحب ومسرح غني في السرد القصصي، والشرفة مشرعة على المجهول وهي تواصل مع العالم، ومع نافذة وستارة تصير مكاناً للاختباء والاحتماء.لماذا بدأت بكتابة القصة؟ وهل تعتبرينها عتبة لدخول عالم الرواية؟يزعجني هذا السؤال وهو يلاحقني كثيراً، لماذا نتصور أن القصة مجرد عتبة وتمرين قبل كتابة الرواية؟ لماذا المقارنة أصلاً؟ ألا يكفي أن أكتب القصة فقط، هل ضروري أن أكتب رواية؟ إنني أحب الاختزال والتكثيف وهذا يتناقض مع الرواية، وأجد القصة فناً أصعب وأجمل من الرواية، كما أحب التفرد الذي تمنحه القصة لي ولا أحب ركوب الموجة لمجرد التقليد واتباع الموضة! لا أعرف ماذا سأكتب في المستقبل ولا أعرف ماذا يخبىء لي اليوم التالي، لكنني بالتأكيد سأكتب دوماً ما يمليه عليّ قلبي.كيف استقبل القراء والنقاد المجموعة؟كانت الأكثر مبيعاً في معرض بيروت للكتاب العام الماضي وأعرف "معلمة" وزعتها على طلابها لقراءة بعض القصص.. وقد حرصت على متابعة ما أمكنني من ردود الفعل ووجدت معظمها مرحباً ومستمتعاً به، وكنت أفرح حين يقول لي أحدهم أحببت تلك القصة أو تلك.. والنقاد أيضاً أثنوا عليها مع ملاحظات من بعضهم.ألا تمثل كتابة القصة تحدياً ونحن في زمن الرواية كما يقال؟نعم تمثل تحدّياً بل ومغامرة، فالقاص لا يضمن أن يجد ناشراً وإن وجده فلن يضمن الناقد أو الصحفي الذي يضيء عالمه القصصي، لكن القصة تظل خياراً أدبياً شخصياً هو سبب حبّ هذا اللون الأدبي، كما أنها فن جميل، طازج، غير مستهلك وعير مبتذل، صعب وحساس، يتحدى الكاتب ويحطم رأسه أحياناً.. لأجل هذا أحاول أن أنجح في كتابة القصة القصيرة، وبطبعي أحبّ سلوك الطريق الوعرة الشاقة بدلاً من الطريق السهلة المضمونة، كما أحب التفرّد، فأنا مثلاً أتشاءم من الأرقام المزدوجة، وفي الموسيقى العربية مثلاً أفضل محمد عبدالمطلب وعبدالغني السيد ومحمد قنديل على عبدالحليم حافظ، وأقول في نفسي هناك ملايين سمعوا أغاني حليم، وأعطوها حقها، أما قنديل فهو مظلوم منبوذ إذاً فلأسمعه، وأفاجأ أن لديه أغنيات رائعة جداً ابتلعها النسيان!قلت ذات مرة إنك تكتبين القصص حفاظاً على طفولتك.. كيف ذلك؟حين سئل ماركيز كيف كتب كل كتبه قال: كتبها الحنين! الحنين محرض على الكتابة، وأنا عشت طفولة ثرية في زمن الحرب الأهلية، كان الريف يحتفظ بنضارة خاصة ولم تكن المدينة قد غزته بعد، عشت طفولتي في أعلى تلة في القرية تسمى "الروس"، اسم قريب من "رؤوس"، وكانت المساحة الخضراء المحيطة بمنزلنا شاسعة وبكراً، كما كانت لي جدة تمضي النهار والمساء تعيد قص الحكايات الشعبية على مسامعنا بناء على طلبنا نحن أحفادها، وكذلك أمي كانت تحكي لنا بعض قصص ألف ليلة وليلة، أما أبي فكان يرتجل الحكايات وهو الشاعر والأديب الأول الذي تأثرت به وبفضل مكتبته تعرفت إلى عالم الأدب الجميل.. وطفولتي عزيزة عليّ، وأشعر بأن بسمة الطفلة ما زالت هناك في حقول القرية تجمع النباتات البرية وتؤلف الأغاني وهي تتسلق شجر اللوز.تمارسين العمل الصحفي والتلفزيوني، فما علاقة ذلك بالأدب؟الكتابة تأتي عندي قبل أي شيء ومن خلال القصص أو العمل الإعلامي أنفذ أحلامي وأترجم أفكاري. وقد اخترت دراسة الإعلام لأنني وجدت أنه الأقرب إلى الفنون والآدب ولأنني مغرمة بالتلفزيون منذ الطفولة اعتبرته صندوق الفرجة العجيب والفانوس السحري، ورغم أنني أعمل فيه منذ سنوات إلا أنه مازال يحتفظ بسحره بالنسبة لي.لماذا تخصصت في كتابة أدب الطفل؟تخصصت في التربية "الحضانية" لتأمين وظيفة تحقق لي الإستقلالية الاقتصادية كي أنفق على تعليمي الجامعي، عملت في التدريس وفي الوقت نفسه كنت أدرس في الجامعة وكانت مشقة التنقل بين القرية – حيث أدرّس – وبين الجامعة في بيروت تزيد من عزمي وإصراري على المتابعة وليس العكس، المهم أنني حين تخرجت في الجامعة بقسم الصحافة وجدت نفسي قريبة إلى خطين: الأول هو صحافة الطفل والثاني هو الصحافة الثقافية وقد تابعت في الخطين معاً ووجدت يد العون في مجلة "العربي الصغير" الكويتية، فقد رحبت بمشاركتي على الرغم من حداثة تخرجي وخبرتي وتعلمت منها الكثير وما زلت إلى اليوم أحرص على التواصل مع هذه المجلة المهمة، كما وجدت في "إذاعة صوت الشعب" مكاناً خلف الميكروفون لتقديم البرنامج الذي حلمت وأغرمت به وهو "بعدك على بالي".. وبقيت على إخلاصي للكتابة للطفل بعدما لمست النقص الكبير في هذا المجال والاستسهال والغباء الذي يعامل به الكتّاب الأطفال والهوّة الكبيرة بين أدب الطفل وبين الطفل نفسه.ما المناسبة التي ولد فيها النص المنشور هنا؟استمعت إلى أخبار هزت قلبي حول وفيات أطفال عراقيين بالكوليرا. استعدت أزمنة الأوبئة الغابرة وتساءلت: لماذا يموت أطفال في القرن الواحد والعشرين بالكوليرا؟ وتخليت أرواحهم البريئة تتساءل عن سبب كل هذا الموت والقهر والبؤس ولا أعرف كيف أمسكت لاحقاً القلم وسطرت القصة.لماذا اخترت عنوان "بالونة وحكاية"؟لأنه بسيط وموسيقي ولافت.كم من الوقت استغرقت كتابة هذه القصة؟سؤال سهل لكن إجابته صعبة، فقد أقول لك إنها استغرقت ساعتين وقد أقول استغرقت سنتين حيث كنت أعود إليها كل فترة وأصحح وأعدل وأحذف فهاجسي هو الحذف لا الإضافة! وحتى بعد طباعة الكتاب حين أقرأ القصص أفتش عما يجعلها أفضل بحذف كلمة هنا أو إضافة عبارة هناك أو استبدال واحدة باخرى.__________________المرأة اليوم458/يناير2010