بوابة المرأة / أمل جمعة – من فلسطين
ترددت كثيراً قبل أن توافق على الحديث، قالت سأسال المحامي أولاً وأعود إليك، حتى لا أوقع نفسي وقضيتي في إشكالات جديدة، قد يبدو غريباً لمن لا يسكن مدينة القدس هذا التردد في حديث عن حالة تحدث كل يوم ويواجهها كل مواطن أو مواطنة مقدسية مهددون بمصادرة حق إقامتهم بالقدس وملاحقين حتى غرف نومهم وأنوار بيوتهم، يراقبون كل دقيقة وساعة وثانية ويستوجب أطفالهم، لذا أفهم تماماً خوف هذه المواطنة وترددها في الحديث فقضيتها لازالت قيد المحاكم وإقامتها بالقس مهددة في أي لحظة مع فقدانها لتصريح الإقامة المؤقت الذي يمنح لها منذ سنين ويجدد دون حسم باعتبارها مواطنة مقدسية وزوجة لرجل يحمل الهوية الزرقاء (الهوية التي تمنح بالعادة لسكان القدس لإثبات السماح لهم بالإقامة بالمدينة). قبل سبع سنوات تزوجت سماح (اسم مستعار) من سكان مدينة رام الله والحاملة للهوية الفلسطينية من شاب مقدسي وأنجبت خلال هذه الفترة طفلين يحملون بشكل تلقائي الهوية المقدسية تبعاً للأب ولكن هي لم تتمكن من الحصول عليها رغم أنها تقدمت بمعاملة لمّ الشمل مباشرة بعد زواجها ومنحت تصريح سنوي يجدد كل عام وكان عليها أن تتنقل يوميا مابين رام الله إلى القدس لتتابع وظيفتها وتحافظ في ذات الوقت على تواجدها بالقدس (فأي غياب لمواطن مقدسي خارج بيته لأي سبب ربما يعرضه لفقدان الهوية) جُمِّدت معاملتها بعد سنوات من الآنتظار للحصول على حق الإقامة ورفض طلبها لتجديد الإقامة ضمن سياسة العقاب الجماعي حيث يواجه أحد أقاربها قضية في محكمة إسرائيلية، تركت وظيفتها في مدينة رام الله واضطرت للبقاء في القدس دون قدرة على التحرك وهي خالية من أي إثبات قانوني يمنحها القدرة على التحرك خارج المدينة المحاصرة داخل جدار يلفها بالكامل، والمغلقة تماماً بحاجز عسكري يتفنن بتقنياته العالية في فحص المواطنين كل يوم باستخدام بصمة الكف مرة، والتصوير مرة أخرى والتفتيش بأجهزة تلغي كل ما هو إنساني وتنتهك أدق خصوصية للمواطن الفلسطيني. ملف قضيتها الآن يأخذ مكانه بين آلاف القضايا المتكررة والمتشابهة منذ قرار تجميد قرارات لم الشمل ولم تنجح إلا حالات قليليه بكسب القضية لصالحها.قرار تجميد لمّ شمل في عام 2002 من قبل محكمة العدل العُليا الإسرائيلية وصار قانوناً نافذاً في العام 2001 وإثر الخوف من تغيير الوضع الديموغرافي لصالح السكان الفلسطينيين بدأت المخابرات الإسرائيلية بالشروع بمشروع تجميد معاملات لمّ الشمل وخاصة لمن كان وشك الحصول على بطاقات هوية. لتتابع سياستها العنصرية عام 2002 حيث قام وزير الداخلية بإصدار قرار بتجميد جميع المعاملات بحجة تنفيذ عملية انتحارية داخل إسرائيل. وفي أيار 2002 أصدرت الحكومة الإسرائيلية قراراً بتجميد إجراءات ومعاملات جمع الشمل للأزواج الذين يحملون بطاقة الهوية الفلسطينية أو ينحدرون من أصل فلسطيني بحجة "الوضع الأمني" إثر أحداث الآنتفاضة الثانية، وفي عام 2003 سنّت الكنيست قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل مصادقة بذلك على قرار الحكومة ومانحة إيّاه الصبغة التشريعية. وفي العام 2005 تم تعديل القانون بحيث سُمِحَ للأزواج الفلسطينيين الحصول على مكانة قانونية يتم من خلالها منح الزوج الفلسطيني تأشيرة تتجدد سنوياً يتوجه من خلالها إلى مكتب التنسيق والارتباط المدني في الضفة الغربية للحصول على تصاريح نصف سنوية للدخول إلى إسرائيل بشرط أن يستوفي المواطن الفلسطيني شروطاً أهمّها شرط السن (للرجل 35 وللمرأة 25). ثانية يعدل القانون عام 2007 وتضاف لائحة لدول لا يمكن لمواطنيها أن يحصلوا على لمّ شمل وهي إيران سوريا لبنان والعراق كما تمّت إضافة قطاع غزه للقائمة عام 2008.لكن الثبات متواصل والصمود أيضا المحامي بشار معلم والذي يتابع منذ 15 عام ملفات وقضايا لمواطنين فلسطينيين في وزارة الداخلية الإسرائيلة وقضايا لمّ الشمل يقول:"هناك ربط كبير من الجانب الإسرائيلي بين قضايا التأمين الوطني والداخلية بشكل وثيق جداً، فموظف التأمين الوطني يعمل بشكل مخابراتي وتجسسي لصالح الداخلية من خلال المعلومات المقدمة كمعلومات إحصاء أو جباية ضرائب من قبل محققيه، محقق التأمين لديه الصلاحية الكاملة لمراقبة أماكن السكن وفحص الملابس اليومية والأشياء الخصوصية، ومراقبة عدادات الكهرباء بل واستجواب أطفال العائلة وكلها معلومات تعتمد عليها الداخلية لتبرر أن هذه العائلة لا تقيم بالمدينة بشكل دائم وسحب رخصة الإقامة بالقدس، ويعطي الحق لوزير الداخلية الإسرائيلي بسحب رخصة الإقامة الدائمة، الوضع صعب جداً ويفوق قدرة المواطن العادي فكل هذه الأمور تحتاج لمبالغ مالية طائلة وتدمر حياته اليومية بكونه محاصر بالاستحداث القانوني المتصاعد كل يوم من الجانب الإسرائيلي وهدفه واضح إيصال المواطنين لحالة من اليأس وإجبارهم بالقوة على مغادرة القدس".زياد حموري مدير مركز للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يعلق على خطورة الأمر فلقد تمّ سحب 1300 بطاقة هوية خلال العام 2006، وبحسب تقديرات الأمم المتحدة فان هناك 160 ألف مواطن يحمل الهوية الإسرائيلية معرض لفقدانها لأنه يسكن خلف الجدار أو خارج البلاد.الهوية (الإسرائيلية) هي تصريح مرور وإقامة فقط، توفر المرور من خلال الحواجز والمعابر إضافة إلى حق الآنتخاب في البلدية، بالإضافة إلى حمله وثيقة (سفر إسرائيلية) تمكنه من السفر خارج البلاد من خلال “مطار اللد”، أمّا حقوق المواطنة التي يتمتع بها المواطن الإسرائيلي فلا تتوفر له، جواز السفر الأردني فهو وسيلته للسفر خارج حدود البلاد ولكنه لا يعتبر مواطنا أردنياً لأنه إذا أراد أن يعيش بالأردن فهو بحاجة إلى تصريح وإجراءات خاصة تحكمها نظم وقوانين المملكة الأردنية الهاشمية. وأيضاً لا يستطيع الإقامة في مدن الضفة الغربية المحتلة، فإنه في هذه الحالة يفقد الهوية وبالتالي حق الإقامة في مدينة القدس، علما بأنه وحسب الاتفاقات المعروفة الإقليمية والدولية تعتبر القدس الشرقية جزء لا يتجزأ من الضفة الغربية وقطاع غزة هذه الأراضي التي احتلت في العام 1967، والمقدسي له حق المشاركة بالآنتخابات الفلسطينية”. عبير مهددة بترك سريرها وأبنائها عندما تزوجت "عبير" قبل عشر سنوات من شاب أجنبي ربما هذا غريباً ومثيراً لقصة إعلامية، ولكن تهديدها الآن بسحب هويتها المقدسية بسبب هذا الزواج هو ما يقلب حياتها رأساً على عقب، فرغم حصول زوجها الأجنبي على لمّ الشمل الفلسطيني وقدرته بالطبع على البقاء بالقدس مع أطفاله الأكبر سناً تواجه عبير وطفلها الأصغر خطر سحب الهوية، فخلال سفرها لزيارة عائلة الزوج في أوروبا وإنجابها لابنها الأصغر في الخارج بدأت السلطات الإسرائيلية بملاحقتها بحجّة حصولها على جنسية أخرى من دول أجنبية، ليصبح حالها على النحو التالي، زوجها وطفليها الكبار يحق لهم الإقامة داخل القدس وهي وابنها الصغير عليهم الرحيل، عبير تجد نفسها تركض من محامي لمحامي ومن دائرة لدائرة لتثبت أنها مقدسية وخالية الطرف من جنسية أخرى وكأنها قد ارتكبت جريمة، متابعة هذه التفاصيل ممل جداً تقول عبير وتكلفته المادية عالية جداً وغير منطقي وإنساني ولكن علينا البقاء والمحاولة حتى استنفاذ آخر قطرة. لازال الملف مفتوحاً منذ العام منذ ضمت إسرائيل القدس قسراً في 27 من يونيو 1967م بمشروع قرار ضم القدس، وجرى إلحاق القدس الشرقية بدولة الاحتلال سياسيًا وإداريًا بموجب القرار رقم 264. هنا تماماً في القدس رغم كل المحاولات ولكن.. لوحدهم كما يبدو يصارعون ليبقى صباح مدينة السلام.amalwehda@yahoo.com