بوابة المرأة / فلسطين - من أمل جمعة
معايشةُ اللجوء وإدراكه مرارة طويلة الأمد وبعيدة الأثر، تخيل أن تنقلب حياتك في غضون ليلة، تفقد البيت الواضح بألفة وأمن، وينكسر بلا مقدمات سياق الحياة النامي بهدوء ورؤية.قصص لا تحصى ولا تنتهي يرويها اللاجئون تنتهك حقوقهم بدءً بالحق الأسمى الحياة ودون نهاية لانهيار الحقوق المتتابع التي يعيشها اللاجئ كل يوم في خيمة أو في موطن مؤقت تطول به الإقامة قد يستنفذ كل مخزون الحق ويتحول لحنين وحلم بالعودة للموطن.بكائيات الاغتراب والتهجير والاقتلاع من الأرض شعور واحد يحسه كل من فرضت عليه الظروف الابتعاد قسرا عن ارض بداياته الوطن.كانت الصبية الفلسطينية منيرة صالح(1) تكتب للوطن وهي بعيدة وتقول مفاخرة إنها من فلسطين، دون أن تعي حقاً طعم الماء ونسمة الهواء وطبيعة الجبال التي امتلكها أهلها يوماً ما.كانت تقف بفضول كبير على شاطئ الأطلسي في العام 2003 في مدينة الرباط المغربية وتحدق بحذاء جان جنيه المتروك مغبراً في معرض للذاكرة تجد فيها ما يخصها شخصياً تقول في نص لها ( سألت الفتى المغربيّ: أي ذاكرة يختزن الحذاء؟ قال: هو حذاء جان جينية عبر به إلى فلسطين وشهد مذابح إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني الأعزل وثق وصور وكتب، ثم مات. وظل الحذاء شاهدا يروي سيرة البلاد التي استرقها اليهود).منيرة ترافقني ربيع ذاك العام وأنا أغادر الأردن لفلسطين عبر الجسر وتقف حزينة جداً تعجب كم هو قريب وبعيد الوطن؟؟ وما يفصلها عنه ليس مجرد وثيقة مفقودة فقط، بل بضع كيلو مترات تقطعها الأقدام بساعتين لا زلت أتذكر دمعها وهي تقف بلا حول ولا قوة كحال ملايين الفلسطينيين الممنوعون من العودة واللاجئون في الدول المجاورة والبعيدة وداخل الوطن. تناسلوا وتزايدوا ليصلون 4.7 مليون لاجئ فلسطيني مسجل وفق سجلات الاونروا نهاية عام 2008 من أصل 957 ألف عربي فلسطيني حسب تقديرات الأمم المتحدة عام 1950.غرفة بنافذتين وباب خشبي وعِرق ريحان أخضر تشير بيانات جهاز الإحصاء المركزي لعام 2008 (2) أن متوسط عدد الغرف في المسكن في الأراضي الفلسطينية 3.6 غرفة وهو مطابق للمساكن التي يقطنها رب أسرة غير لاجئ في حين تبلغ للمساكن التي يقطنها رب أسرة لاجئ 3.5 غرفة. فارق قد لا يبدو كبيرا إذا اعتبرنا أن فلسطين تعيش الآن بشكل عام تحت خط الفقر ولكنه فارق مختلف إذا عدنا بالأمور ستين عاما للوراء لنرى أن الجهد المبذول من قبل اللاجئ لتوفير مسكن لائق يفوق غيره من غير اللاجئين خاصة في الفترة الممتدة من 1948-1967 حيث طال الاحتلال كل الضفة الغربية والقدس. اللاجئون جيلاً شابّاً وفتياً (نسبة الأفراد الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة في الأراضي الفلسطينية 41.6%) يكاد يكون نصف اللاجئين، وعائلة واحدة تضم في أضيق حدودها ستة أفراد وتتسع لتصل لأربعة عشر فرداً ينضمون في بيت صغير وملحق خارجي يستعمل كمطبخ وحمام، طالت السنوات قبل أن يتحول الفراغ لصالون مسقوف وتضاف غرفة جديدة لبيت العائلة اللاجئة في المخيم، سمات تكاد تتفق بها كل مخيمات اللجوء الفلسطينية ومن كانت داخل الوطن وخارجه في الشتات، ضيق وبؤس وفقر وكثرة العيال وحنين موجع وحلم لا يشيب أبدا/ألعودة (عدد المخيمات الفلسطينية الرسمية المعترف بها من قبل وكالة الغوث في الأراضي الفلسطينية والدول العربية 58 مخيما، تتوزع بواقع 12 مخيماً في لبنان، و10 مخيمات في الأردن و9 مخيمات في سوريا و27 مخيما في الأراضي الفلسطينية، موزعة بواقع 19 مخيما في الضفة الغربية و8 مخيمات في قطاع غزة).يصبح لكل إضافة في بيت اللاجئ معنى جديد وأيضا تتكون مع كل إضافة ذاكرة جديدة تربطه بالمكان المؤقت والطارئ وهو خوف جعل الفلسطينيون لسنوات طويلة يرفضون توطين اللاجئين بأي شكل كان بسبب الخوف المتوارث من فقدان حقهم الطبيعي بالعودة وهو أمر استطاعوا فيما بعد تثبيته دولياً وحقوقياً ومنهجاً بأن حق العودة حق لا يسقط بالتقادم بل يستلزم التعويض أيضاً عن الخسارة التي طالت اللاجئ الفلسطيني ببعده ألقسري عن أرضه متمسكين بالقرار 194 المتعلق بحق العودة.أرقام وديباجات وإحصاءات متوفرة وتحبر آلاف الأوراق، ولكن كيف حقاً يعيش اللاجئ يومه ويتحايل على زمنه ويقفز بين أوضاعة الصعبة ليعيش؟تشير بيانات أنماط الاستهلاك بين الأسر في الأراضي الفلسطينية إلى أن (47.7%)بينما تعاني أسر المخيمات من الفقر مقابل (30.3%) في المناطق الريفية و(33.1%) في المناطق الحضرية.بينما تتناقص نسبة الأمية بين اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في الأراضي الفلسطينية مقارنة بغير اللاجئين، إذ بغير للاجئين الفلسطينيين من 5.4% إلى 6.4%. من أهم سمات اللاجئ الفلسطيني تمسكه بالتعليم كمخرج عملي يسهل الحياة ويعوض الفقر والتهجير.وهي فلسفة العائلة الفلسطينية المهجرة أن العلم سيحافظ على استمرار تمسك الأجيال بوطنها، رهان نجح بإخراج موضوع العودة واللجوء إلى العلن كقضية جوهرية تمس كل فلسطيني وعربي واسقط بشكل واعٍ سقوط الوطن من ذاكرة الأجيال القادمة من خلال الكلمة واللوحة والأغنية والرواية والذاكرة الشفوية وحديث الشجن الفلسطيني اليومي عن البلاد والغياب. وهي أيضا شكلت الإسناد لرفاه معقول استطاعت أعداد المتعلمين نيله من خلال التعاقد والعمل في الدول العربية منذ زمن مبكر لنكبة فلسطين.بالمقابل كانت الخسارة التي تكبدها اللاجئون كبيرة جداً (زمناً ومعاناة) نضال للعودة خلف حلم العودة ونضال أكثر مرارة لنيل حياة إنسانية كريمة تتمتع بشروط لائقة وطبيعية.الرفاهية مطلب بعيد المنال تمتلك 17.8% من الأسر اللاجئة سيارتها الخاصة مقابلة 25.3% لغير اللاجئين، وتتوفر مكتبة خاصة لدى ربع الأسر للاجئة مقابل 30.5% لعائلات غير اللاجئين. أمرُ جدير بالملاحظة، فكلما زادت متطلبات الرفاهية كانت العائلات اللاجئة تعاني صعوبة أكبر في توفيرها، ولكنها تعتمد في الضروريات (الأثاث، الثلاجات الغسالات........) على السلع المستخدمة وتتساوى الأسر اللاجئة مع غيرها في توفر خط اتصال هاتفي، لتصل النسبة 43.3% في الأراضي الفلسطينية وكذا بالنسبة للحاسوب وتكاد تتشابه النسب لدى اللاجئ وغير اللاجئ على اعتبار أن وسائل الاتصال حديثة نسبياً وفرصة توفرها كانت للطرفين في ذات الوقت على السواء.السؤال عن وضعية النساء هو ينطوي على غبن كبير إذا سيقت الأمور بالأرقام فقط، ولكن هناك ملامح خاصة صارت تميز المرأة في المخيمات لعراكها الطويل مع بؤس المخيم واللهاث لتوفير حياة كريمة وآمنة لأبنائها فاكتسبت ملامح شخصية قوية وصوت حاد ونوعاً من الحكمة تميز ببساطة نساء المخيمات وتجيل كبيرات السن بالقدرة على المواجهة دون خوف، لكن بقي حظها في التمتع بحياة جيدة دون المرغوب ولم تشمل المرأة بشكل جدي ومدروس في سياسات المؤسسات الدولية كنوع اجتماعي إلا في زمن متأخر، حيث كانت تفقد اللاجئة حقها في تعليم أبنائها وعلاجهم خاصة إذا تزوجت من غير لأجيء وتبعا لطبيعة التملك غير الرسمي في المخيمات تفقد النساء حصتهن في الإرث من بيت العائلة داخل المخيم لعدم قدرة النساء التفرد ببطاقة وكالة الغوث أذا لم تتزوج. وهو أمر يسير على الذكور ولكن يمتلك الذكر الحق باستنساخ كرت (بطاقة التموين) عند تشكيله لعائلة جديدة بغض النظر عن إذا تزوج من لاجئة أو غيرها. هذه التفاصيل راكمت فرقاً هائلا في حياة المرأة اللاجئة بالمقارنة مع غيرها وجعلتها في حالة فقر مستمر. وخاصة الجيل الأكبر سناً ممن حرم من التعليم. الفارق الاجتماعي هو الأبرز في حياة اللاجئة وتضيق الخناق عليها كان أمراً شيد التناقض فمن جهة هي تتعلم وتعمل بشكل أوسع من غير اللاجئة ومن ناحية أخرى يربطها اللجوء بروابط اجتماعية أصعب حيث تنعدم الخصوصية وتضيع قدرة الفرد على صياغة حياته ي ظل الاكتظاظ المكاني والتلاصق الشديد. ومع ذلك أجبر ضنك العيش اللاجئات ليخرجن باكراً لسوق العمل ولكن حوصرت مهنهن في النمطي والتقليدي تبعا لما يتلقينه من تعليم متوسط في كليات وكالة الغوث، فكان السواد الأعظم مدرسات وعدد اقل ممرضات، وفي المهن ذات الخبرات المتوسط والأقل جُلّهن عاملات خياطة تبعا للأقسام المهنية التي أنشئت لسنوات طويلة في المخيمات.مهنُّ لم تبتعد كثيراً عن النمط السائد لوظائف المرأة ولكنها توفرت ولم يكن أمام الكثيرات الخيار، فاقتنصن ما هو متوفر. بالدائرة العامة ربما توفرت فرصة أفضل لبعض النسوة غير اللاجئات ولكنها لم تبتعد كثيرا عن دائرة المألوف إلا لأعدادٍ قليلة، صبغت شخصية المرة اللاجئة والريفية بالقدرة الهائلة على التأقلم والتحمل (الأولى بسبب ظرف الحياة الصعب، والثانية لطبيعة عملها بالأرض) ولكن هذه الفوارق لم تعد واضحة تماماً الآن مع اتساع ذوبان خطوط الفصل التقليدية وانهيار منظومة (مدينة مخيم قرية) بسبب التداخل والتزاوج وقوة الضربات التي تعرض لها الفلسطينيون جميعا في الآونة الأخيرة. صار وضع النساء الفلسطينيات للتقارب الهم العام، ربما هي نقطة لصالحن لفهم أقوى واشمل لقضيتهن النسوية.___________________________________________(1) منيرة صالح كاتبة فلسطينية من الأردن/من نص أحذية ترتطم بالذاكرة. (2) الإحصاء الفلسطيني الخصائص الديمغرافية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين عشية اليوم العالمي للاجئين.