
• أعود من الجامعة في ساعة متأخرة .
• أعمل في المقاولات.
• أنزل للميدان للعمل مع الرجال.
بوابة المرأة/الجزائر - نوال مسيخ
صبرينة غاوي فتاة من منطقة وادي سوف الصحراوية المحافظة بالجزائر .
تعمل في مجال المقاولات المكتظ بالرجال، وتعود من الدراسة ليلا بعد الساعة الثامنة ، في منطقة يعد بها غروب الشمس ميعاد أبدي وأزلي لملازمة النساء لبيوتهن التي – في الحقيقة – لم تغادرنها أصلا ...أو هكذا هو الوضع بالنسبة للأغلبية من نساء المنطقة .
تتحدث صبرينة عن الحجاب الذي إرتدته إذعانا للمجتمع ، وعن نظرة التمييز التي ينظر بها الرجال لها، وعن التحديات التي رفعتها من أول وهلة نزلت فيها لعالم الشغل في منطقة أغلب العمال بها رجال ، تقول أن هناك من الرجال من ترك عمله في الورشات المجاورة وجاء للورشة التي تعمل بها فقط للتأكد أن هناك إمرأة خرجت من بيتها لتعمل ...و أين ؟ في المقاولات ....
صحيح أن صبرينة في مقتبل العمر حيث تبلغ من العمر 24 سنة فقط ، وصحيح أنها لم تتقلد بعد مناصب مسؤولية راقية ليكون ذلك سبب إجراء حوار معها ، لكن يكفي أنها وبرغم سنوات عمرها القليلة إلا أنها فعلت ما لم تفعله أجيال من النساء اللواتي سبقنها في السن ، واللواتي كن دائما مقتنعات أن مكان المرأة في البيت، وأن العمل للرجال فقط .أما الخروج ليلا فمشطوب من زمن النساء.
بوابة المرأة إلتقت بصبرينة في وادي سوف لتحدثنا عن وضع المرأة هناك، وقد أجابت عن كل أسئلتنا من دون تحفظ ، بل وبدى أنها تختزن الكثير من الأجوبة لأسئلة تنتظر أن تطرح عليها.
بوابة المرأة: بداية من هي صبرينة ؟
صبرينة: إسمي صبرينة غاوي ، عمري 24 عاما ، خريجة الجامعة حاصلة على شهادة تقني سامي في الهندسة المعمارية دفعة مارس 2007 . أقطن بوادي سوف ، وأعمل في مكتب مقاولات .
بوابة المرأة : كيف دخلت عالم الشغل وبالذات في مهنة المقاولات التي تعد نسبيا مهنة رجالية خاصة في منطقة محافظة مثل وادي سوف ؟
صبرينة: بعد التخرج وجدت عملا في مكتب للمقاولات فلم أتردد لحظة في إفتكاك الفرصة لإثبات وجودي، صحيح إن هناك صعوبات جمة تصادفني في أداء هذا العمل بالذات ، إلا أنني مثابرة ومجتهدة. الصعوبة أو التحدي بتعبير أصح يكمن في كون وظيفتي تتطلب مني النزول الدائم للميدان حيث الرجال والأعمال الشاقة المتعبة وحيث التقاليد والعادات مسيطرة على الذهنيات، فميدان العمل الذي أنزل إليه لا توجد به أية امرأة على الإطلاق، فأنا المرأة الأولى في وادي سوف التي تمارس مهنة مماثلة وتنزل للميدان وتختلط مع عدد كبير جدا من الرجال ...أقصد الزملاء .
بوابة المرأة : وكيف كان رد فعلهم إذن ؟
صبرينة: أذكر جيدا المرة الأولى التي نزلت فيها للميدان ، توقفوا عن العمل ووقفوا يتأملون فيّ كما لو كنت غريبة المظهر عليهم، أو نزلت من كوكب آخر . كانوا يتساءلون كيف لفتاة أن تشتغل معهم وهم رجال كثر في هكذا ميدان ، كان ذلك بالنسبة لهم غريبا جدا ، أغلبهم رفضوا الأمر ، والبقية بدت عليهم جليا علامات الحيرة والذهول .
بوابة المرأة : وماذا عن مسؤولك في العمل ، كيف قبل توظيفك ؟ ألم يكن يعلم ردة فعل العمال الرجال في المنطقة كيف ستكون ؟
صبرينة: أعمل في شركة مقاولة العياشي وهو أحد أقربائي ، وإلا ما كان ليوافق أصلا . كان هو من يقتادني للميدان ، حيث أتنقل معه خارج المكتب ونتجه سويا لمكان إنجاز المشروع ، كان في بعض المرات يظل بالسيارة ويطلب مني التوجه بمفردي لمباشرة عملي في الورشة. ما أريد قوله أن مكان ورشتنا يقع بمحاذاة ورشات أخرى بها عمال كثر ، في كل مرة أنزل للميدان يترك العمال عملهم وورشاتهم ويأتون لورشتنا فقط لرؤية هذه الفتاة التي خرجت من بيتها وجاءت للعمل هنا ، كانوا يتابعون تحركاتي وكل صغيرة وكبيرة أقوم بها ، رغم أن العمل لا يختلف عما سبق وأن شاهدوا آخرين يؤدوه .
بوابة المرأة : منطقة وادي سوف محافظة جدا لكنها في الوقت ذاته منطقة تحفظ حرمة وإحترام النساء ، هل إستفدت من هذا الإحترام وأنت تكسرين قاعدة النساء المحافظات ؟
صبرينة: لا ، لا يوجد إحترام على الأقل بالنسبة لي وأنا أزاول هذا العمل الجديد بالنسبة لإمرأة من المنطقة حيث أنها مجبرة على النزول للميدان والإحتكاك بالرجال . ربما النساء الأخريات العاملات في مجالات أخرى كالتعليم والإدراة والمكاتب تحظين بالتقدير والإحترام ، لكن بالنسبة لي لا ، أنا للأسف لا ألقى الإحترام...
بوابة المرأة : كيف حكمت بأنهم لا يحترمونك ؟ ما مؤشرات هذا اللاإحترام ؟
صبرينة: لما أوجه لأحدهم ملاحظة في حدود ما تخوله لي مهنتي وصلاحياتي ، لا يتقبلون الأمر ،حين أشور عليهم حسب ما لدي من رصيد علمي نلته من الجامعة يستصغرون مشورتي ، حين يرتكب أحدهم خطأ واضحا ، وأحاول تصحيحه عملا بواجبي المهني يرفضون أن يصححوه لأنني أنا من تفطنت للخطأ وأعطت البديل الصحيح ، وحينما ألح يقولونها لي صراحة : أنت لا تعرفين أحسن منا . وحينما أجتهد وأحقق إنجازا أو أتقن عملي لا أحد يثني علي أو يعترف بجهدي أو يشجعني ، فهم ينتظرون اللحظة التي أنسحب فيها وأغادر عملي .
بوابة المرأة : تقولين أنك الأولى التي تمارس هذه المهنة في منطقة وادي سوف : فكيف كانت أيام الجامعة والإعداد لأداء هذه المهنة إذن ؟
صبرينة: لنا فرع من جامعة بسكرة في وادي سوف ، لم يكن هناك إلا خمس طالبات في دفعتي مقابل خمسين طالبا . أتذكر معاملة أحد الأساتذة لنا كبنات ، كان لا يعيرنا إهتماما ولا يقيم إجتهادنا ، يتحدث فقط للذكور ، بينما نحن البنات نكاد لا نظهر في حقله البصري .كانت لدينا ورشة مخططات ، ثم ننزل للموقع لمباشرة التطبيق ، وكنا نجتهد في المرحلتين ، لكنه لم يظهر يوما الإهتمام بإجتهادنا ومثابرتنا – أقصد البنات - ، وحينما كنا نحتج على هذا الإهمال لنا ، وتسأله الواحدة منا لما هذا التمييز يقول لها: لماذا أنت هنا من أصله؟ تأكدي أنك لن تجدي عملا بعد التخرج.ثم يسألنا : من الفتاة التي يمكنها العمل في ورشة أعمال بالميدان ؟ . كان يرفض أصلا فكرة وجود بنات في هذا التخصص ، أو ممارسة المرأة لهذه المهنة . ولم يكن يخفي رفضه هذا ، بل كان يظهره بإستمرار بشكل يؤلمنا نفسيا .
بوابة المرأة : و ما هي أسلحتك في مواجهة كل هذه الإنتقادات والإحباطات والمعارضة من قبل المجتمع؟
صبرينة: الشجاعة والتصميم ، أنا مصممة جدا على عملي ومتمسكة به ، أريد تكسير العادات السائدة عندنا في المنطقة ، أي نعم بدأنا - شيئا فشيئا - نتفتح قليلا ، لكن لم نصل بعد لما نصبو إليه ، يلزمنا الكثير من العزيمة والتصميم . ولدي إيمان كبير بأن العلم من الأسلحة القوية التي تساعد على الخروج من هذا العالم المغلق والتحرر وإحداث التغيير ، وهذا ما دفعني لنيل شهادة أخرى من جامعة التكوين المتواصل ، شهادة دراسات تطبيقية تخصص تقنيات بنكية . وفي هذه أيضا أواجه صعوبات وتدخلات من قبل المجتمع.
بوابة المرأة : كيف ذلك ؟
صبرينة: تصوري أن هناك منهم من تجرأ على القدوم لبيتي ليسأل أهلي كيف يسمحون لي بالخروج ليلا ؟. فأنا أدرس ليلا لأن جامعة التكوين المتواصل- كما هو الحال في باقي مناطق الجزائر - تعتمد على إعطاء الدروس المسائية أي من الساعة السادسة إلى غاية الساعة الثامنة ليلا. ويحدث أن أدخل البيت في حدود الساعة التاسعة. وهو ما جعلني بالنسبة لهم في خانة المنبوذين، ويمكن القول أن المجتمع أخرج لي البطاقة الحمراء، لأن التاسعة ليلا في وادي سوف كارثة بكل المقاييس بالنسبة للفتاة.
بوابة المرأة : من غير أستاذك في الجامعة كان متزمتا ويرفض وجود بنات في تخصص الهندسة المعمارية ، والإستعداد للعمل في الميدان مع الرجال ؟
صبرينة: عندما كنت طالبة جامعية تخصص هندسة معمارية كنت متفوقة ، وكان هناك أستاذ متفتح ومتعاون مع المرأة ومتعاطف مع قضاياها ، وكان يحاول إشراكي في الحياة العملية تشجيعا لي، وحدث أن رافقته ذات مرة لحضور إجتماع مديرية النشاط الإجتماعي بالولاية ، وكان مخصصا لمناقشة المشاريع المطروحة من العاصمة لتجسيدها في وادي سوف. وتقدم الحاضرون باقتراحات ، وسألني أحدهم ماذا أقترح ، فقلت من دون تردد نريد نادي للبنات وفضاء للإنترنت . فنحن في وادي سوف كبنات بأمس الحاجة لمثل هذه الفضاءات لتثقيف الفتاة وتمكينها من مواكبة ما يحصل في العالم ، أو لنقل ما يحصل في باقي مناطق الجزائر . أذكر يومها كم كان موقف المسؤول الأول في الإجتماع مؤلما ومحبطا بالنسبة لي ، حيث قال لي بلهجة جافة : هذه مشاريع خاصة بمنطقة التل / يقصد الشمال / وليس الصحراء .
هذا الكلام يومها جعلني أتأكد أننا مصنفون في خانة المنسيين المعزولين المحكوم عليهم للأبد بالقبوع في مستوى معين دون التقدم للأمام . تدخل بعدها أستاذي ودعم إقتراحي ونوه به وقال أنه هام خاصة وأن هناك فرع جامعي به طلبة هم بحاجة لمثل هذه الفضاءات .
تسكت صبرينة برهة ثم تستأنف حديثها بالقول : هذا الكلام كان خلال العام 2006 ، واقتراحي مات في ذاك الاجتماع .
بوابة المرأة : حدثينا عن باقي البنات من سنك والنساء عموما ، كيف تفكرن ، وما موقفهن مما يدور حولهن ، وهل تطالبن بما تطالبين ؟
صبرينة: لما أتناقش مع بنات من المنطقة كثيرا ما أصاب بالإحباط فالغالبية منهن تبدي تأييدها التام والمطلق للفئة العريضة من رجال المنطقة التي تؤمن بأن مكان المرأة الطبيعي هو بيتها ، فالكثير من الفتيات تؤمن بأنه علينا إتباع المجتمع والإنصياع له ، والتقيد بالعادات والتقاليد مهما كانت صحيحة أو خاطئة ، الكثير من البنات ليست لهن حتى القابلية لمناقشة ظروف حياتهن ، وما يفعل بها وبهن . هن موجودات للطاعة والمسايرة وفقط . لكن هناك نوع آخر من البنات تقاسمنني الأفكار وتشاطرنني الرغبة في التحرر وتغيير المجتمع. وهو ما يجعلني أتجاوز إحباطاتي المتكررة .
بوابة المرأة : كيف يتعامل معك أهلك وأنت بهذا التمرد تسيرين عكس ما يريد المجتمع ؟
صبرينة: أسرتي متحررة ، مع ملاحظة أنني في الأصل لا أنحدر من هذه المنطقة ، أسرتي لا تضغط علي على الإطلاق بالعكس أنا ألقى منها كل الدعم والتشجيع في طموحاتي وأحلامي . وطالما أنها تثق بي وبتربيتي وأخلاقي وخاصة بقدراتي وكفاءاتي ، فهي لا تعترض طريقي ، بل تدعمني وتقف إلى جنبي في اللحظات التي أصاب فيها بالإحباط .
بوابة المرأة : كل البنات في وادي سوف – تقريبا - محجبات وأنت واحدة منهن ، فهل تحجبك جاء عن قناعة وقرار شخصي أم نتيجة لمسايرة المجتمع ؟
صبرينة: أنا مسلمة مؤمنة بالله ومتمسكة بديني ، لكن بصراحة تحجبت بعد أن ضقت ذرعا بالمضايقات الكثيرة من قبل الرجال والشبان الذين لم يكفوا عن توجيه الملاحظات لي بإستمرار . فهذا يقول لي أستري نفسك ، والآخر يستعيذ من الشيطان الرجيم حينما أمر أمامه إلى غير ذلك من الإستفزازات ، فارتأيت أن أرتديه لأتخلص من كل تلك المضايقات والإستفزازات ، مع أنني مقتنعة بأن الحجاب فرض على كل مسلمة ، لكن بصراحة إرتدائي له جاء طلبا للإرتياح من تطاولهم علي. وبعد أن إرتديته لم يكلمني أخي لمدة شهر ، ليس لأنه يرفض إرتدائي الحجاب ولكن لأنه رفض أن يكون المجتمع هو من يدفعني لإرتدائه ، أخي اعتبر ذلك شكلا من أشكال الخضوع للمجتمع .
بوابة المرأة : ما هي أمنيتك ؟
صبرينة: أمنية حياتي أن تمتلك المرأة في منطقة وادي سوف حريتها وقرارها ومصيرها ، وأن تكون لها ثقة بنفسها ، حيث يجب أن تخرج من القوقعة ، هذا ضروري جدا .