خاص - بوابة المرأة
بقلم: د. سبيكة محمد النجار
المقدمة
ظهرت الحركة النسائية في الخليج متأخرة كثيراُ عن مثيلتها في مصر وبلاد الشام. ويمكن إرجاع السبب في ذلك إلى قوة التقاليد الإجتماعية التي حرمت على المرأة الظهور والمشاركة في الحياة العامة وتأخر تعليم البنات مقارنة بتعليم الذكور. إذ لم تتوسع الدول الخليجية في تعليم الفتاة إلا بعد ظهور النفط الذي ساعدها على إرساء دعائم الدول الحديثة. و افتتحت أول مدرسة حكومية للبنات في البحرين عام 1938 أي بعد ما يقارب أكثر من ربع قرن على افتتاح أول مدرسة حكومية للبنين. وقد تأخر إنشاء مدارس البنات أو التوسع فيها في سلطنة عمان وبعض إمارات ساحل عمان (الإمارات العربية المتحدة حالياُ) إلى بداية السبعينات من القرن الماضي.
وتأثرت البدايات الأولى للحركة النسائية في الخليج وبالأخص في البحرين والكويت بالحركة الثقافية السائدة في مصر وبلاد الشام وبكتابات المفكرين الذين تناولوا قضايا المرأة كرفاعة الطهطاوي وقاسم أمين وغيرهم. كما تأثرت الحركة برائدات الحركة النسائية العربيات مثل هدى شعراوي. وظهرت في الأربعينات من القرن الماضي بعض الأقلام الرجالية والنسائية التي تدعو المرأة للمساهمة في النهضة والتحرر من قيود التقاليد البالية.
وسنحاول في هذا المقال دراسة تاريخ الحركة النسائية في منطقة دول مجلس التعاون الست وهي البحرين والكويت وقطر والأمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية.
أولاً: الحركة النسائية في البحرين
لعب التعليم دوراً بارزاً في ظهور الحركة النسائية والذي تمثلت بداياته في إزدياد وعي المرأة بذاتها ومحاولتها الخروج على الوضع الذي فرضته عليها التقاليد والأعراف. كما لعبت الصحافة دوراً كبيراً في طرح القضايا الجديدة على الساحة الخليجية كضرورة انتشار التعليم بين النساء والدعوة إلى السفور وفتح مجالات العمل المختلفة أمام المرأة. ومن ناحية ثانية لعبت الجاليات العربية التي تولى أفرادها مسئولية التعليم في مدارس البنات دوراً هاماً وأساسياً في بلورة وعي النساء وتشجيعهن على إنشاء جمعياتهن. فقد قامت المدرسات الوافدات العاملات في مدرسة الهداية الخليفية للبنات (حالياُ مدرسة خديجة الكبرى) بإنشاء جمعية مساعدة اليتيم وانضمت لهذا التجمع الصغير بعض بنات العائلات الغنية.
وفي عام 1953 تأسس نادي البحرين للسيدات برئاسة الليدي بلجريف زوجة المستشار البريطاني التي اختارت نخبة من سيدات الطبقات العليا اللواتي نلن قسطاً من التعليم مثل السيدة الفاضلة عائشة يتيم (سكرتيرة) والسيدة سلوى العمران (عضواً إدارياً). وكان النادي يهدف إلى القيام بالأعمال الخيرية ومساعدة الفقراء والمحتاجين وتعليم النساء بعض المهارات كالطبخ والخياطة . وقد تعرض هذا النادي لهجوم على صفحات الجرائد وعلى منابر المساجد باعتباره عملاً منكراً وخروجاً على التقاليد والأعراف. وبهذا الشأن أصدرت جماعة أطلقت على نفسها جماعة الدعوة إلى الإسلام بياناً نقتطف منه العبارات التالية: "قاطعوا هذا المنكر وأعلنوا الحرب النكر والنكير على القائمين والقائمات بأمره. واقتلوه في مهده قبل أن يرى النور، وإلا فالويل منه ثم الويل لنا جميعاً" .
على المستوى السياسي شهدت تلك الفترة تشكيل هيئة الإتحاد الوطني التي قادت العمل الوطني وبالأخص حركة 1945 – 1965 . ويعتبر المؤرخون الهيئة أول حزب سياسي في منطقة الخليج . ويؤرخ الباحثون بدايات الحركة النسائية مع ظهور هيئة الإتحاد الوطني ويشيرون بشكل خاص للدور الذي لعبته الأختان شهلا وبدرية خلفان في حث النساء على المشاركة في التظاهرات المناوئة للإستعمار البريطاني، والخطاب الذي ألقته أحدهما في جمع ضم آلاف المتظاهرين وطالبت فيه بإعطاء المرأة حقوقها وبخلع الحجاب. ولقد كانت هذه الدعوة مثار إعجاب لدى بعض الشباب المتعلم وبدأوا يحثون زوجاتهم على الإقتداء بهذه السيدة، إلا أن تأثيرها كان آنياً ونتيجة لزخم الحركة السياسية آنذاك والتأييد والحماس الذي أبدته المرأة تجاهها، إذ غابت الأختان خلفان عن ساحة العمل، كما ضربت الحركة بقسوة واعتقل قادتها.
وقد إهتمت الصحافة بمسألة حقوق المرأة وأتاحت للأقلام العربية والبحرينية الفرصة للكتابة فيها . وفي هذا المجال تذكر المرحومة عزيزة البسام إن الكاتبة اللبنانية روز غريب كتبت في مجلة صوت البحرين وكان لها دور في طرح العديد من الآراء الإجتماعية المتقدمة. كما حثت الصحافة أيضاً على ضرورة دخول المرأة مجال العمل وتقلد المناصب الحكومية. وتناولت بعض الصحف مسألة السفور بالنسبة للمرأة وطالبت بنيل المرأة حقوقها، كما ظهرت للمرة الأولى عبارة الحركة النسائية والدعوة لربطها بالحركات النسائية المماثلة في الوطن العربي والعالم .
وبالرغم من ذلك كانت قوة التقاليد والأعراف أقوى من هذه الدعوات التي لم تستثمر بشكل صحيح بحيث يمكن تأطير النساء ضمن حركة نسائية مطلبية. وبالمقابل لم يكن قادة الحركة الوطنية راضين عن نادي السيدات ليس فقط لأن العرف السائد في تلك المرحلة يعتبر الأندية حصراً على الذكور، ولكن السبب الأهم هو أن النادي كان بقيادة زوجة المستشار البريطاني الذي يعد رمزاً للإستعمار البريطاني في البحرين. لذا دعا عبد الرحمن الباكر أحد أبرز زعماء حركة 45 – 56 إلى إنشاء جمعية نسائية على غرار الجمعيات النسائية في مصر وبلاد الشام بدلاً من النادي. ونظراً لارتباط الكثير من التجار بالهيئة فقد اضطر أولياء الأمور لمنع بناتهن من المشاركة في النادي . ووجدت القائمات عليه إن أفضل مخرج لهن من هذا المأزق هو إنشاء جمعية نسائية خيرية هي جمعية نهضة فتاة البحرين التي بدأ العمل بها عام 1955 وبذلك تكون أول منظمة نسائية تنشأ في منطقة الخليج .
وعلى غرار ما حدث في البلاد العربية كمصر وبلاد الشام حيث قادت الحركة النسائية شخصيات ينتمين للطبقات الغنية والتي مكنتها ظروفها في تلك الفترة من التعليم والإحتكاك بالعالم الخارجي، فقد تكونت جمعية نهضة فتاة البحرين في غالبيتها من بنات العائلات التجارية اللواتي نلن قسطاً من التعليم. إذ حصلت رئيسة الجمعية السيدة عائشة يتيم على شهادة من بريطانيا، كما درست عضوتان أخرتان التمريض في العراق، هذا عدا العضوات اللواتي درسن في البحرين على يد مدرسات عربيات من لبنان على وجه الخصوص وحصلن على شهادة التعليم الإبتدائي أو ما يعادلها.
وفي عام 1960 أنشأت جمعية رعاية الطفل والأمومة وتنتمي عضواتها في مرحلة التأسيس إلى الأسرة الحاكمة و نساء الطبقة التجارية الغنية و كبار موظفي الدولة. وقد ركزت الجمعيتان على العمل الخيري، كما افتتحت جمعية نهضة فتاة البحرين فصولاً لمحو الأمية بين النساء لأول مرة في تاريخ البحرين. ثم تطورت الخدمات الرعائية للجمعيتين بافتتاحهما رياضاَ للأطفال كما قامت جمعية رعاية الطفل والأمومة بافتتاح مركزاً لرعاية الأطفال المعوقين ومركزاً ثقافياُ للأطفال. وفي الثمانينات انضمت لجميعة نهضة فتاة البحرين فتيات ممن أنهين دراستهن في خارج البحرين وبالأخص في الكويت والقاهرة وبيروت وعملن في الحركات الطلابية وتأثرن بالحركات السياسية السائدة في ذلك الوقت وكان لإنضمامهن أثر كبير في توجه الجمعية وتركيزها على الجانب الحقوقي والمطلبي للمرأة.
كما أنشأت جمعية أوال النسائية على إثر نكسة حزيران وتم إشهارها رسمياُ عام 1970 أي بعد عشر سنوات تقريباً من تاريخ إشهار جمعية رعاية الطفل والأمومة. وتنحدر عضوات هذه الجمعية من الطبقة الوسطى وغالبيتهن مدرسات أو موظفات. ونشطت في هذه الجمعية فتيات ممن تلقين دراستهن في الخارج والتصقن بالحركات الطلابية والسياسية السائدة في ذلك الوقت كما شارك بعضهن في التنظيمات السياسية الوطنية كالجبهة الشعبية لتحرير الخليج والجزيرة العربية التي قادت العمل المسلح انطلاقاً من إقليم ظفار بسلطنة عمان، وكذلك جبهة التحرير الوطني وهي الجناح البحريني للحزب الشيوعي، بالإضافة لحزب البعث العربي الإشتراكي. و كان للخلفية السياسية لقيادة الجمعية عند إنشائها أعظم الأثر في توجهات الجمعية التي رفضت العمل الخيري والرعائي السائد وركزت على العمل المطلبي الحقوقي النسوي .
وفي نفس السنة أي عام 1970 تم إنشاً جمعية الرفاع الثقافية الخيرية وعضواتها من الموظفات وخاصة المدرسات. وقد كانت في بدايتها قريبة إلى حد ما من توجهات جمعية أوال وخاصة في المطالبة بحقوق المرأة في قانون الأحوال الشخصية وحقوق المرأة السياسية، إلا أنها ركزت بعد ذلك على العمل الخيري الرعائي وخاصة بعد حل المجلس الوطني وإصدار قانون أمن الدولة حيث أضحى أي تحرك من أجل حقوق المرأة يفسر على أنه عمل سياسي. كما إنشئت جمعية النساء الدولية عام 1974 وهي تتألف من نساء ينتمين إلى الطبقة التجارية العليا ومن زوجات العاملين في السلك الدبلوماسي أو المدراء وأصحاب الأعمال الأجانب .
حقوق المرأة السياسية
تأثرت المرأة في البحرين وكما سبق الإشارة له بحركة 54 – 56 إلا أن دورها آنذاك كان بسيطاً. كما تأثرت أيضاً بالحركات القومية في العالم العربي وانضم البعض منهن لهذه التنظيمات وخاصة إبان تواجدهن في الخارج للدراسة. كما حاولت التنظيمات السرية العاملة في البحرين والمرتبطة بطبيعة الحال بالتنظيمات العربية أو الشيوعية والماركسية تنظيم النساء في صفوفها إلا أنها لم تعطِ أهتماماً يذكر بقضية المرأة. وقد تأثرت النساء بحركة 65 التي سادت في البحرين لمدة تقارب من الستة شهور وخرجت الطالبات في المظاهرات التي عمت البلاد وكانت لمشاركتهن هذه فرصة لهن للخروج خارج أسوار المنزل والمدرسة والمطالبة مرة أخرى بتحرير المرأة . ولعبت المدرسات البحرينيات الحديثات التخرج من الجامعات في القاهرة وبيروت ودمشق دوراً بارزاً في هذا المجال وكان لهن دور في تثقيف الطالبات أو توجيههن للعمل السياسي مما كان له أثر واضح في تعميق وعي الطالبات النقدي والتقدمي . وقد توقف دورهن على إثر ضرب الحركة، ولم يؤثرن في الحركة النسائية بعد ذلك وأحجمن عن المشاركة الفاعلة في الجمعيات النسائية.
لعبت جميعة أوال النسائية دوراً بارزاً في العمل على تثبيت حق المرأة السياسي في الإنتخاب والترشيح وشاركتها في ذلك جمعية الرفاع الثقافية الخيرية وجمعية نهضة فتاة البحرين. وقد قامت هذه الجمعيات بحملة توعية بين النساء لتثبيت حقهن السياسي كما أقامت مع عناصر من التيارات السياسية المؤيدة لحق المرأة بالعديد من الندوات واللقاءات في النوادي من أجل شرح وجهة نظرهن. وتبنت كذلك عريضة أرسلت إلى رئيس المجلس الوطنى آنذاك وإلى أمير البلاد ووقعتها العديد من الأندية إلى جانب الجمعيات الثلاث أوال والنهضة والرفاع، وامتنعت عن التوقيع جمعية رعاية الطفل والأمومة، ويرى أميل نخلة إن إمتناع الأخيرة يرجع إلى الأصول العائلية لعضواتها فهن حسب رأيه مستفيدات مباشرة من الوضع القائم ولهذا فإنهن أكثر تفهماً لموقف الحكومة من حرمان المرأة من حقها السياسي .
وفي هذه الفترة وبالتحديد سنة 1973 تصدت هذه جمعيات أوال والنهضة والرفاع لأطروحات نواب الكتلة الدينية لمنع الإختلاط في الأماكن العامة والعمل ومنع المدرسات من تدريس الإطفال الذكور في المدارس الإبتدائية ورياض الأطفال، وكذلك منع الممرضات والطبيبات من معالحة المرضى الذكور. وأعتبرت الجمعيات هذا المشروع "محاولة مشبوهة تستهدف النيل من الحريات الشخصية للمواطنين متخذين من المرأة وسيلة للمتاجرة بالشعارات والمزايدات" .
لم يتح العمر القصير للمجلس الوطني الفرصة للجمعيات النسائية من إنضاج تجربتها، وبحل المجلس الوطني وسيادة قانون أمن الدولة تراجع العمل النسائي وتضاءل معه الأمل في خلق حركة نسائية فاعلة.
ولا بد هنا من الإشارة إلى بعض المآخذ التي شابت العمل النسائي في تلك الفترة والتي يمكن إيجازها في التالي:
- عدم قدرة الجمعيات على التواصل بشكل صحيح مع القاعدة النسائية في مدن وقرى البحرين.
- تأخر التحرك إذ جاء قبل أيام معدودة من صدور قانون الإنتخابات الذي حرم المرأة من حقها السياسي.
- عدم التوجه لبعض الشخصيات النسائية التي لعبت دوراً بارزاً في العمل النسائي أو الشخصيات ذات النفوذ في البلاد.
- عدم استمرار التحرك في فترة قيام المجلس الوطني بنفس وتيرة العمل خلال فترة انعقاد المجلس التأسيسي الذي وضع مسودة الدستور.
حقوق المرأة العاملة
شكل موضوع الدفاع عن حقوق المرأة العاملة هدفاً أساسياً نصت عليه اللوائح الأساسية في كل من جمعيتي أوال النسائية وجمعية نهضة فتاة البحرين (بعد دخول عناصر شابة وتعديل دستور الجمعية القديم)، إلا أنها عجزت عن ترجمة هذا الهدف لخطط واستراتيجيات واضحة فجاء عملها كرد فعل عفوي على بعض المشاكل التي تتعرض لها المرأة العاملة في مواقع العمل وتنتهي بانتهاء الحدث أو المشكلة.
قانون الأحوال الشخصية:
تضافرت جهود الجمعيات النسائية والجمعيات الأخرى ذات العلاقة وبعض الشخصيات للمطالبة بسن قانون للأحوال الشخصية، وتشكلت لهذا الغرض لجنة الأحوال الشخصية التي أخذت على عاتقها القيام بحملات توعية في صفوف النساء وعلى صفحات الصحف. ولم تسفر هذه الجهود في إقناع المسئولين بسن القانون إلا مؤخراً حيث تشكلت لجان لمناقشة مسودة قانون الأسرة ليعرض على المجلس الوطني لآقراره. ومما يذكر للجنة الأحوال الشخصية نجاحها في تجميد تنفيذ حكم الطاعة بقوة الشرطة والحد من الطلاق التعسفي، إذ لا يصح الطلاق الآن إلا أمام القاضي.
إضافة لذلك قامت جمعيتي نهضة فتاة البحرين وجمعية أوال النسائية كل على حدة بإنشاء مركز إستشارات قانونية وأسرية مما يعتبر خطوة رائدة في مجال العمل على تحسين أوضاع المرأة. كما أنشأت جمعية رعاية الطفل والأمومة مركزاً لدراسات المرأة والطفل والذي يضم مكتبة متخصصة إلا أنه أي المركز لازال يفتقر إلى باحثين متخصصين وإلى الدعم المادي والبشري ليتمكن من القيام بدور أكبر في مجال البحوث عن المرأة.
الحركة النسائية في البحرين منذ التسعينات
تفاعلت النخبة المثقفة من النساء مع الأحداث التي سادت في البحرين في الفترة الممتدة من 1999 – 1994 وقمن بتوقيع عريضة لأمير البلاد آنذاك الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة يناشدنه فيها بتحقيق المطالب الشعبية ومنها الديمقراطية والبرلمان. وقد واجهت الحكومة هذا التحرك البسيط بشدة وهددت الموقعات على العريضة بفصلهن عن العمل إذا لم يعتذرن ويسحبن تواقيعهن، وبالفعل تم فصل سيدتين هما حصة الخميري والمرحومة عزيزة البسام كما تم تجميد الدكتورة منيرة فخرو الأستاذة في جامعة البحرين عن العمل ولم تعاد إليه إلا بعد الإصلاحات السياسية في البحرين عام 2001.
كما انضمت النساء للحركة الشيعية المعارضة في فترة التسعينات واعتقل بعضهن وتعرضن للتعذيب داخل المعتقل واستشهدت إحداهن، كما عانت الكثيرات منهن مرارة الإبعاد عن الوطن. إلا أن طابع الحركة الديني واقتصاره على طائفة معينة لم يخلق حركة نسائية مطلبية واضحة المعالم، بل العكس هو الصحيح إذ تم التركيز على وضع المرأة الدوني ولم ينظر لها كشريك في النضال الوطني بل كتابع للرجل.
وبعد الإصلاحات السياسية التي حدثت في البلاد في أواخر عام 2000 والتي تمثلت في عودة المبعدين وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإتاحة هامش من الحريات العامة تم التوسع في إنشاء جمعيات المجتمع المدني السياسية والإجتماعية والدينية، وظهرت الجمعيات السياسية على إختلاف تلاوينها ودخلت المرأة في هذه الجمعيات؛ إلا إنها إلى الآن لم تعِ لضرورة تثبيت مطالبها الحقوقية النسوية وإقناع هذه الجمعيات بوضع هذه المطالب في بؤرة إهتمامها. هذا إلى جانب التخبط الذي تعيشه الجمعيات السياسية نتيجة لتسارع الأحداث الأمر الذي لم يمكنها من ترتيب أوضاعها الداخلية وتحديد أولوياتها وبناء استراتيجياتها وخططها.
ومن ناحية أخرى ظهرت على الساحة جمعيات نسائية متعددة يشكل أغلبها امتداداً للجمعيات السياسية . ولم تخرج هذه الجمعيات عن النمط السائد للعمل النسوي من زيارة للمسنين وإقامة الندوات المقتصرة على النخب النسائية. إلا أن الجمعيات النسائية ذات التوجه الديني أو اللجان الملحقة بالجمعيات الدينية تتمتع نتيجة لتوجهاتها الدينية بقاعدة جماهيرية واسعة، ولكنها لازالت أسيرة سيطرة الجمعية الأم ولم تستطع الخروج من عباءتها وبالأخص فيما يتعلق بمبدأ المساواة بين الجنسين ، وقانون الأحوال الشخصية الموحد للطائفتين السنية والشيعية، والإختلاط وغير ذلك.
ثانياُ : الحركة النسائية في الكويت
يمكن إرجاع البوادر الأولى للحركة النسائية الكويتية إلى الأربعينات من القرن الماضي حيث بدأ تعليم البنات ينتشر بالرغم من الصعوبات التي واجهته والتي تمثلت في معارضة القوى المحافظة لتعليم الفتاة. وقد ظهرت في أواخر 1948 بعض الأقلام النسائية التي تدعو المرأة إلى المشاركة بوعي في الحياة العامة. كما كتبت بعض الشخصيات الرجالية مؤيدة لحق المرأة في الحرية. وفي عام 1953 أجتمعت مجموعة من الشابات مناديات بالسفور واطلق على هذا الإجتماع "ندوة الحجاب. وقد أثار خبر الإجتماع العديد من ردات الفعل المؤيدة والمعارضة، إلا أن هذه الحركة لم تخرج عن نطاق الإجتماع والكتابة في الصحف ولكنه دفع المرأة للتفكير في إنشاء جمعياتها على خطى الجمعيات العربية .
وقد جاء إنشاء الجمعيات النسائية في الكويت متأخراً عن البحرين بعدة سنوات، ويمكن إرجاع ذلك إلى عدم وجود حركة سياسية قوية والرفاه الإقتصادي الذي عاشته الكويت وقوة التقاليد والعادات التي جعلت المرأة تتردد في القيام بهذه الخطوة، أو بخلع الحجاب الذي نظرت إليه الفتيات العائدات من الدراسة في الخارج كقيد وكرمز لتخلف المجتمع. وهذا ما عبرت عنه أحدى الكتابات النسوية في الخمسينات من القرن الماضي حيث تقول: "في بلد كهذا لا يزال أهله متمسكين بالتقاليد القديمة ولا يزال الجيل المتقدم في السن يعد كل حركة تقوم بها المرأة في سبيل التحرر من قيود التقاليد .... فإن هذا العائق له من الأثر الجبار ما يحتم علينا التريث والتبصر في خلع الحجاب مرة واحدة" .
في بداية الستينات من القرن العشرين حاولت بعض الفتيات العائدات من الدراسة في الخارج تشكيل نادٍ نسائي باسم "نادي المرأة الكويتية" . وتذكر السيدة لولوة القطامي وهي إحدى قياديات العمل النسائي إن دافعهن لإنشاء النادي هو " تنظيم الجهود من خلال كيان إجتماعي قانوني يحقق طموحاتهن في تغيير إجتماعي وثقافي يحتضن القيم والمثل الكويتية، ويصب في صالح الأغلبية من نساء الوطن، ويساعد على تمكينهن من القيام بدورهن المطلوب كمواطنات وأمهات وزوجات" .
إلا أن السلطات الحكومية رفضت السماح لهن بالعمل مراعاة للتقاليد السائدة آنذاك والتي كانب ترفض فكرة النادي للبنات. لذا أعادت المجموعة طلبها بإنشاء جمعية نسائية تحت إسم " الجمعية الثقافية الإجتماعية النسائية" التي أشهرت رسمياً بتاريخ 10 فبراير عام 1963. وقبل ذلك بأيام قليلة وتحديداً في 17 يناير من نفس العام سمح لجمعية النهضة العربية النسائية التي غيرت إسمها ليصبح جمعية النهضة الأسرية بالعمل .
ركزت الجمعية الثقافية في أهدافها على الجوانب الحقوقية مثل المطالبة بحقوق المرأة الدستورية وتعزيز وعيها بحقوقها الشرعية والعمل من أجل تعديل الأوضاع والقوانين الوضعية والأعراف الإجتماعية التي تمس حقوق المرأة ولم تهمل الهدف الخيري ولكنها لم تعطه أهمية أساسية . في حين جاءت أهداف جمعية النهضة الأسرية أكثر عمومية وتركزت على مساعدة الفتاة الكويتية بنشر الوعي الثقافي والعلمي والمطالبة بحقوقها، ومعالجة الأمراض الإجتماعية والتوعية بأهمية الأسرة وكذلك الإطلاع على نهضة المرأة في البلاد العربية ولم يرد ذكر العمل الخيري ضمن أهدافها. ويرجع السبب في عدم إعطاء العمل الخيري أهمية على العكس من الجمعيات النسائية في البحرين إلى الوفرة الإقتصادية وارتفاع مستوى المعيشة في الكويت مقارنة بالبحرين وتكفل الدولة برعاية الفئات المحتاجة.
تشابهت أنشطة الجمعيتين وغلب عليها الطابع الرعائي التوعوي كإنشاء دور حضانة للأطفال، والقيام بحملات نظافة وتوعية صحية في المناطق النائية من الكويت، وفتح صفوف لمحو الأمية والقيام بمحاضرات وندوات لتوعية الأسرة والمجتمع. وتركز عملهما الخيري خارج حدود الكويت وتمثل بإنشاء قرى حنان لرعاية الأيتام في السودان، ودعم المجهود الحربي لتحرير فلسطين. كما حرصت الجميعتان على الإرتباط بالعمل النسائي العربي حيث مثلت جمعية النهضة الأسرية الكويت في الإتحاد النسائي العربي، كما ساهمت أيضاً في إنشاء لجنة العمل النسائي في الخليج والجزيرة بهدف ربط وتنسيق العمل النسائي في هذه المنطفة إلا أن عمل هذه اللجنة تركز على عقد المؤتمرات إلى أن توقف نهائياً بعد الأزمة العراقية الكويتية.
وفي عام 1974 حاولت الجمعيتان إنشاء إتحاد نسائي لتأطير العمل النسائي الكويتي والدفع بالمطلب النسوي الحقوقي خطوات للأمام ، ولكن عمر الإتحاد القصير لم يمكنهما من تحقيق هذا الهدف وتم حل الإتحاد بقرار من وزارة العمل والشئون الإجتماعية عام 1977 على إثر انسحاب الجمعية الثقافية منه. وفي الفترة الممتدة من عام 1981 إلى 1990 وهي الفترة التي شهدت قيام الجمعيات الإسلامية ، أنشئت في الكويت جمعيتان إسلاميتان هما: جمعية بيادر السلام وجمعية الرعاية الإسلامية. كما أنشأت الجمعية الكويتية التطوعية النسائية لخدمة المجتمع على إثر الغزو العراقي للكويت.
ويغيب العمل في المجال المطلب النسوي الحقوقي عن عمل هذه الجمعيات وقد يكون توجه جمعيتي بيادر السلام والرعاية الإجتماعية المحافظ ما يدفعهما لمعارضة مطلباً مثل حقوق المرأة السياسية ومشاركتها في الحياة البرلمانية. وتركز هاتان الجمعيتان على التوعية الإسلامية وتحفيظ القرآن والعمل الخيري وتدريب الفتيات على بعض المهارات الفنية وإنشاء رياض الأطفال. وتنشط الجمعية الكويتية للعمل التطوعي في توعية المرأة بأهمية العمل التطوعي وترسيخ الإنتماء والولاء للوطن والإهتمام بالطفولة والأمومة والعمل الخيري.
وفي عام 1994 تم تسجيل الإتحاد الكويتي للجمعيات النسائية برئاسة الشيخة لطيفة زوجة ولي العهد وضم في عضويته الجمعيات الثلاث السابق ذكرها إلى جانب نادي الفتاة في حين امتنعت جمعية النهضة النسائية عن الإنضمام إليه معتبرته مناورة من السلطة لسحب البساط من تحت أرجلها وتقييد حركتها. ولم يكن الإتحاد بفعل توجهات الجمعيات الأعضاء فيه فاعلاً على الساحة النسائية، واقتصر عمله على التنسيق بين الجمعيات الثلاث (أنسحب نادي الفتاة لعدم انطباق شروط العضوية عليه) وحل أية خلافات قد تنشاً بينها، وتمثيل المرأة داخل الكويت وخارجه. ويتمتع الإتحاد بدعم الحكومة إلا أن عدم إنضمام الجمعية الثقافية لعضويته وإهماله من ناحية أخرى للعمل النسوي المطلبي يشكلان نقطة ضعف تجعل الإتحاد جمعية أخرى لا تختلف في أنشطتها وتوجهاتها عن الجمعيات الأعضاء فيه.
الحقوق السياسية للمرأة في الكويت
استندت المرأة الكويتية في مطالبتها بحقوقها السياسية وخاصة حقها في المشاركة في مجلس الأمة انتخاباُ وترشيحاً على المادة 29 من الدستور التي تنص على أن : " الناس سواسية في الكرامة الإنسانية وهم منساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين". إلا أن قانون الإنتخاب حصر الحق في المشاركة في مجلس الأمة على المواطنين الذكور وبالتالي حرم المرأة حسب رأي نورية السداني من ثلاث حقوق أساسية هي الحق في الترشيح والإنتخاب وفي تولي منصب وزيرة
كان تأثير تجربة المرأة المصرية منذ بداية نضالها بقيادة هدى شعراوي واضحاً على التجربة الكويتية حيث تذكر نورية السداني في كتابها المسيرة التاريخية للحقوق السياسية للمرأة الكويتية "وهنا في الكويت كأن التاريخ العربي يعيد نفسه من جديد بعد ثمانية عقود من زمن مضى من هذا القرن، هاهي ذات الوسائل التي اتبعت في ذاك التاريخ تتبع في هذا التاريخ في الكويت ...... المهم إننا في تلك اللحظات التاريخية التي عاشها المجتمع الكويتي بدءً من عام 1973 وصولاً لعام 1982 هي ذاتها التي عاشها المجتمع المصري في بداية هذا القرن بذات وسائلها من الصحافة إلى البرلمان ... حتى بالنسبة للضغوط النسائية، نجدها ذاتها، فعلى هذا المستوى أيضاً بدأت مسيرة المرأة المصرية ضمن إطار جمعياتها النسائية في عام 1924". كما تشير الكاتبة إلى تأثير الأحداث التي مرت بها المرأة العربية إثر نكسة حزيران 1967 على إعادة النظر في عمل الجمعيات في الكويت: " صدمة عام 1967 جعلتني أغير تفكيري وأسلوب حياتي، فطريق العمل ليس أسواقاُ خيرية ومعارض وتصفيقاً وهبلاً لا ينتهي .... السطر الأول في التفكير الجديد خروج الجمعيات النسائية الكويتية عن خط العمل الخيري".
وبعد هذا التصريح بأربع سنوات وفي 15 ديسمبر 1971 عقد مؤتمر عام للمرأة هو الأول في منطقة الخليج الذي يطرح مطالب نسوية حقيقية حيث نوقشت فيه عدة مواضيع تمس الحقوق السياسية والإجتماعية للمرأة كما رفعت سبع مطالب لمجلس الأمة تناولت حق المرأة في المشاركة السياسية الكاملة وحقها في المشاركة في الشأن العام إلى جانب بعض المطالب المتعلقة بالأحوال الشخصية. وعند قراءة هذه المطالب يتضح وضع المرأة الكويتية المتدني في تلك الفترة والتطور الذي حققته في السنوات اللاحقة، حيث حققت المرأة الكويتية تقدماً ملموساً على مستوى مشاركتها في الشأن العام، وأصبح بينها المحاميات وصاحبات الأعمال كما تحقق لها قانون للأحوال الشخصية.
ومما يؤخذ على القائمات على هذه المطالب عدم استمراريتهن فيها بالرغم من وجود بعض المحاولات المتفرقة لإقامة ندوات وحملات توعية عن حقوق المرأة السياسية في صفوف طالبات الجامعة مثلاُ، إلا أن هذه الحملات فشلت في الوصول إلى القاعدة العريضة من النساء في البيوت والأحياء حيث نشطت في صفوفهن التيارات السلفية المعارضة لحقوق المرأة.
وفي فبراير 1977 تم رفع عريضة لولي العهد موقعة من 395 إمرأة تتضمن مطالب من أهمها حصول المرأة الكويتية على حقها السياسي؛ إلا أن مجلس الأمة رفض هذا الحق للمرأة وذلك في جلسته في 19 يناير 1982 أي بعد ما يقارب التسع سنوات من رفع المطالب التي خرج بها المؤتمر النسائي السابق ذكره.
وترى السيدة نورية السداني أن الجمعيات النسائية فشلت فشلاً ذريعاُ في خدمة قضية المرأة ولم تتحرك قبل جلسة مجلس الأمة السابق ذكره ولخصت الأسباب التي أدت إلى هذا الفشل في النقاط التالية:
- إنعدام التنسيق بين الجمعيات النسائية.
- تشتت وتفكك الحركة النسائية الكويتية.
- غياب جمعية النهضة الأسرية أحد أبرز أعمدة المطالبة بحقوق المرأة.
- قلة خبرة الجمعيات التي تأسست حديثاً كنادي الفتاة.
- غياب التخطيط السليم لبرامج الجمعيات من أجل تشكيل قوة ضاغطة مؤثرة.
- عدم تبني الجمعيات لاستراتيجية مرحلية في العمل النسائي.
- عدم ممارسة ضغط في الساعات الحاسمة وغياب النساء عن حضور جلسة 19 يناير التي نوقشت فيها الحقوق السياسية للمرأة.
- الإحباط الذي ساد الأمة العربية في فترة السبعينات والثمانينات.
- سيطرة التيارات الدينية المعارضة لحقوق المرأة على الشارع العربي.
وبعد الأزمة الكويتية في التسعينات وفي ظل غياب مجلس الأمة، أصدر أمير الكويت مرسوماً أميرياً يمنح المرأة حقها السياسي وذلك تقديراً لجهودها في الدفاع عن الكويت في فترة الإحتلال. إلا أن مجلس الأمة الذي أعيد إنتخابه بعد ذلك أفتى بعدم قانونية المرسوم ورفض بأغلبية بسيطة حقوق المرأة السياسية. والغريب أن شخصيات معروفة بليبراليتها صوتت ضد حق المرأة في المشاركة السياسية.
وقد حاولت النساء تنظيم أنفسهن والعمل كقوة ضغط وذلك من خلال محاولات قلة من النخبة النسائية تسجيل أنفسهن في سجل الإنتخابات واللجوء إلى المحكمة الدستورية لانتزاع حقهن السياسي إلا أن هذه الأخيرة خذلتهن عندما أفتت بعدم دستورية منح المرأة لحقها السياسي. مما يجعلنا نستنتج أن نضال المرأة الكويتية في هذا المجال هو طريق طويل يحتاج منها للصبر والعمل الدؤوب وتكثيف الجهود لتوعية القاعدة العريضة من النساء، ومحاولة كسب تاييد التيارات الإسلامية المعتدلة، والتنسيق والتعاون بهذا الخصوص مع كافة مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني.
ثالثاً: الحركة النسائية في الدول الخليجية الأخرى
لا توجد حركة نسائية ذات مطالب نسائية حقوقية في الدول الخليجية الأخرى عدا البحرين والكويت وإلى حد ما في المملكة العربية السعودية. وذلك يرجع إلى حداثة إنشاء مؤسسات الدولة الحديثة في تلك الدول وتاخر تعليم الفتاة وقوة تأثير الحكومة المركزية والولاء المطلق لرأس الدولة والحكومة.
وبالرغم مما تعانيه المرأة في المملكة العربية السعودية من قيود قاسية فرضها النظام الإجتماعي والسياسي، إلا أنها سبقت أخواتها في الدول الخليجية الأخرى بإنشاء جمعياتها النسائية التي ترأستها في أغلب الأحيان أميرات من البيت السعودي وشاركت في عضويتها زوجات وبنات الطبقات الغنية في المملكة. فقد إنشئت الجمعية النسائية الخيرية في جدة في 28 فبراير 2002. ويسيطر العمل الخيري على أهدافها التي تتدرج من تقديم المساعدات المادية والعينية للأسر المحتاجة إلي تقديم الخدمات الإيوائية للمعاقين والأيتام وذوي الظروف الخاصة وأبناء السجينات. كما تهتم برعاية الطفولة والمرأة والفتاة من الناحية الإجتماعية والصحية والإقتصادية وتأهيل الفتيات عن طريق الندوات والمحاضرات.
ويوجد حالياُ 19 جمعية نسائية خيرية تتوزع على كافة مناطق المملكة، ولا تخرج هذه الجمعيات عن الأهداف السابق ذكرها أو عن النسق الذي رسمته لها الحكومة والأعراف الإجتماعية. وتعبر المرأة السعودية عن رفضها لهذه القيود في الأدب والفن . كما تنشط المرأة السعودية في قطاع الأعمال ولكن بالرغم من وجود عدد من المتعلمات وحاملات المؤهلات العليا فلا زالت المرأة مقيدة بالعمل في المجالات النسائية فقط. وتواجه أية حركة مطلبية من النساء مهما كانت بساطتها بقسوة شديدة من قبل السلطة ورجال الدين . وبالرغم من انضمام المملكة إلى إتفاقية مناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة إلا أنها أبدت تحفظات ضد جوهر الإتفاقية نفسها كما أنها لم تحدث أي تغيير في الوضع القانوني للمرأة.
وتغيب الجمعيات النسائية الأهلية في دولة قطر حيث يتركز العمل النسوي في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة الذي ترأسه زوجة الأمير. وقد أنشئ المجلس بناء على القرار الأميري رقم 35 لسنة 1998 وجاء لسد فراغ مؤسسي في قطاع التنمية الأسرية وتعزيز آليات التنسيق بين الوزارات والمؤسسات المختلفة المعنية بقضايا التنمية الإجتماعية. ويضم المجلس نخبة من الخبرات النسائية القطرية وبالأخص من أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة قطر. وفي 5 مارس 2000 تم إنشاء لجنة شئون المرأة بهدف الإهتمام بحقوق المرأة وواجباتها ، والتأكيد على دور المرأة في التنمية المستدامة وضمان حق المرأة في المشاركة في الأدوار القيادية ومواقع صنع القرار، وتعزيز دور الجمعيات الأهلية وتمكينها من تنفيذ البرامج المتعلقة بالمرأة.
وبالرغم من حداثة العمل النسائي في قطر فإن المرأة القطرية تتمتع بتشجيع القيادة السياسية حيث نالت الحق في المشاركة في أول تجربة إنتخابية ورشحت نفسها لعضوية المجلس البلدي المركزي. ويأتي حصول المرأة على حقها في الإنتخاب والترشيح ليختصر سنوات من معاناة طويلة للسعي لإقناع الرجل صاحب السلطة السياسية بأحقية المرأة وكفاءتها في إدارة المناصب القيادية والمشاركة في الحياة السياسية.
وقد واجهت النساء اللواتي رشحن أنفسهن الكثير من المعارضة من قبل المجتمع المحافظ، إذ تعتبر هذه الخطوة قفزة كبيرة لم يستطع المجتمع القطري استيعابها وخاصة في ظل تقاليد مفرطة في محافظتها ترفض أو تضع قيود على مسائل تخطتها العديد من المجتمعات العربية المسلمة كالإختلاط وسياقة السيارة مثلاُ. لذا فإن إحداث تغييرات إجتماعية لصالح المرأة يتطلب الكثير من الجهد من قبل الفئة الواعية من النساء والرجال على حد سواء. كما يتطلب إيضاً "إختراقاُ للذات التقليدية للمرأة ولمنظومة قيم المجتمع وبعض موروثاته الإجتماعية" . بالإضافة إلى إطلاق القوى الإبداعية للمجتمع والسماح له بإنشاء منظماته الأهلية وإتاحة هامش واسع من حرية الرأي والسماح بالتعددية السياسية. فالعمل الفوقي المفروض من قبل القيادة السياسية على القواعد الشعبية لا يمكن أن يكتب له النجاح إذا لم يدعمه مجتمع مدني قوي وفاعل ومجتمع يتمتع بحرية وديمقراطية حقيقيتين.
أما في دولة الإمارات العربية المتحدة فقد بدئِ في إنشاء الجمعيات النسائية مباشرة بعد الإستقلال وقيام الإتحاد الذي ضم سبع إمارات صغيرة أكبرها وأغناها إمارة أبوظبي. وجاءت الجمعيات كجزء من استكمال مظاهر ومتطلبات الدولة الحديثة ولسد حاجة هذه الدولة الناشئة في إيصال بعض الخدمات الرعائية للمرأة مثل التدريب الحرفي والتعليم والتوعية الأسرية وغير ذلك. وحظيت الجمعيات النسائية في دولة الإمارات بالدعم الكامل من الحكومة حتى أصبحت وكأنها مؤسسات حكومية أكثر منها جمعيات أهلية. وترأستها في الغالب زوجات الحاكم في الإمارة أو قريباته.
وتعتبر جمعية نهضة المرأة الظبيانية (فبراير 1973) أول جمعية نسائية في دولة الإمارات العربية المتحدة ، ثم تلتها خمس جمعيات نسائية "كلها تحذو حذو جمعية النهضة النسائية وتسترشد بخطواتها من أجل تحقيق هدفهن المشترك لرفع شأن المرأة ومكانتها والنهوض بها "
وفي شهر مارس 1975 تم إشهار الإتحاد النسائي المكون من الجمعيات الست برئاسة الشيخة فاطمة حرم رئيس الدولة. ويهدف الإتحاد إلى النهوض بالمرأة العربية في البلاد روحياً واجتماعياً وثقافياً، ومد النشاط النسوي في البلاد ليشمل كافة إمارات الدولة، ودعم النهضة الوطنية الشاملة التي تعم البلاد، ومتابعة إقامة علاقات وطيدة مع الجمعيات والإتحادات النسائية الأخرى في الخليج والمنطقة العربية وأخيراً متابعة نشاط الهيئات النسائية الدولية والتعاون معها. ويغلب على نشاط الإتحاد وجمعياته الأعضاء الطابع الرعائي في أنشطتها مثل التوعية الصحية، رعاية الطفولة والأمومة، التوعية الدينية، طبق الخير والأنشطة الخيرية وتدريب المرأة على بعض المهن والحرف اليدوية.
وتختلف مسيرة المرأة في سلطنة عمان في في الفترة التي سبقت وصول السطان قابوس إلى الحكم عن مسيرة المرأة في الخليج، فقد شاركت المرأة العمانية في الكفاح المسلح بقيادة جبهة تحرير ظفار ثم الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي. كما أدرجت الأخيرة في برنامجها قضية المرأة إلا أن الفقر والأمية وظروف الحياة السياسية لم تمكنها من تحقيق هذا البرنامج. وقد ركزت الجبهة الشعبية على تعليم النساء ومحو أميتهن ويرجع الفضل في ذلك إلى المناضلة البحرينية ليلى عبد الله فخرو التي عملت في صفوف الجبهة الشعبية وأدارت مدارساً لتعليم الفتيات في إقليم ظفار جنوبي عمان، ولا يزال الكثيرون في السلطنة يذكرون لها هذا الفضل.
وبعد تولي السلطان قابوس للحكم والقضاء على الجبهة الشعبية تسارع التطور في السلطنة وأنشأت مدارس للبنات. وقد أعتمدت السلطنة في تحديث نظامها السياسي والتعليمي على وجه الخصوص على المواطنين العمانيين المتعلمين الذين عادوا إلى بلادهم من المهجر وتولوا المناصب القيادية فيها، وكان فيهم عدد من النساء ممن تلقين تعليماُ عالياُ في القاهرة وبيروت والكويت والبحرين وزنجبار.
وبإنشاء الدولة الحديثة في السلطنة ظهرت الحاجة لخلق مؤسسة قادرة على التواصل مع النساء في المناطق النائية والأقاليم. لذا أنشئت 25 جمعية نسائية تحت مسمى جمعية المرأة العمانية غطت أغلب أقاليم السلطنة، أنشئ أولها في 23 سبتمبر 1970 في العاصمة مسقط (أشهرت رسمياُ عام 1972) وآخرها في ولاية خصب عام 1994 (أشهرت رسمياُ عام 1999) .
ولا تختلف جمعيات المرأة في سلطنة عمان عن مثيلاتها في الإمارات العربية المتحدة حيث تتركز أهدافها وأنشطتها على رعاية المرأة والطفل من خلال الدورات التثقيفية والتعليمية ومحو الأمية وإنشاء رياض الأطفال والتدريب الحرفي والمهني للمرأة. وتركز هذه الجمعيات على ضرورة إحترام التقاليد المحلية ومن هذا المنطلق لم نجد أي تحرك لهذه الجمعيات للتصدي لممارسة ختان البنات الشائع في السلطنة ، ولم يكن للجمعيات أي موقف مطلبي لصالح المرأة. وهي على غرار الجمعيات في الإمارات العربية المتحدة تعمل بتنسيق تام مع مديرية شئون المرأة والطفل في وزارة العمل والشئون الإجتماعية.
الخاتمة
لا تزال الحركة النسائية في الخليج تعاني من إشكاليات متعددة أهمها سيطرة السلطات التنفيذية على الجمعيات النسائية بحيث لا يمكن لهذه الجمعيات القيام بأي تحرك إلا بموافقة الجهات الحكومية المعنية. وفي هذا الإطار تربط المساعدات المالية بمدى العلاقة مع السلطة بحيث نرى الجمعيات التي تقودها شخصيات قريبة من الحكم تتمتع بدعم مالي من الحكومة ومن المؤسسات الخاصة الأخرى في الوقت الذي تعاني جمعيات أخرى من قلة مواردها البشرية.
وتتمثل المعضلة الأخرى التي تعاني منها هذه الجمعيات في انحسار العمل التطوعي وشح في موارادها البشرية وضعف إمكانياتها الفنية ، مما يؤدي بالتالي إلى عدم قدرتها على رسم استراتيجيات وبرامج تلائم العصر. كما أن الغالبية العظمى من هذه الجمعيات لا زالت غير قادرة على الإنفتاح على القاعدة النسائية في القرى والمناطق الأخرى وتركز أنشطتها في العاصمة وتحصر أنشطتها على النخبة المثقفة مما يجعلها جمعيات نخبوية بامتياز. كما عجزت غالبية هذه الجمعيات في إجتذاب الشباب لصفوفها وبالنتيجة فإن القيادات النسائية كما هي الحال في معظم البلاد العربية لم تتغير منذ ما يقارب الثلاثين سنة. لذا يخشى من إنقراض هذه الجمعيات إذا استمرت الحال عما هي عليه حاليا.ُ