أميرة كشغري*لم تكن مصادفة أن أحصل عل نسخة ورقية من مدونة الأسرة الصادرة بتاريخ فبراير 2004 من قبل وزارة العدل في المملكة المغربية. فقد كنت أتابع تلك المدونة و أتأمل حاجتنا إلى قوانين مشابهة كل يوم انخرط فيه مع الأسرة: أسرتي الصغيرة و أسرتي الممتدة و الأسرة السعودية التي تمثل لي واحدة من أبرز الأولويات. أؤمن بأننا جميعاً رجالاً و نساء، و من منطلق ديني و أخلاقي، نحلم و نسعى نحو تحقيق واقع قانوني متوازن لهذه الأسرة بحيث نجعل أفرادها على وعي بحقوقهم و واجباتهم ثقافة و ممارسة و سلوكاً تلقائياً. كما أننا ننشد أن نجعل من هذه الأسرة بناء أكثر تماسكاً و تضامناً يقوم على أساس روح الإسلام و مقاصده السمحة.
لن أدخل في تفاصيل مدونة الأسرة المغربية اليوم لأنها فعلاً تستحق أكثر من مجرد مقال. إلا أنه من المفيد الإشارة إلى أن هذه المدونة ليست في الواقع إلا نتاجاً لمشروع قانون عملت مختلف الجمعيات النسائية المغربية بمثابرة و إصرار على أن يرى النور ليكون حالة معاشة في المجتمع و قانوناً مكتوباً ملزماً يعمل به في المحاكم و يغطي تفاصيل الأحكام الخاصة بتنظيم شؤون الأسرة ابتداء من الزواج والطلاق والولادة و الحضانة والأهلية و النيابة الشرعية والوصية والميراث. فهي إذن بمثابة المسطرة القانونية لكل قضايا الأسرة بحيث تحقق إنصاف المرأة و حماية لحقوق الطفل و صيانة لكرامة الرجل. و هذا فيما أرى غاية التحقيق لمقاصد الشريعة السمحة. و من المؤكد أن هذه المدونة أتت أيضاً نتيجة لانتشار الممارسات المتعسفة ضد المرأة و الطفل التي يفرزها أفراد المجتمع رغم اعتراف المجتمع بأولوية تطبيق الشريعة.
و المتأمل لحال مجتمعنا اليوم، و المتابع للحالات التي يعرض الإعلام نزراً يسيراً منها تجاه المرأة و الطفل من سلب للحقوق ومن عضل غير مبرر و من أكل للمواريث بغير حق و من طلاق متكرر لمجرد النزوة و من تزويج بالإكراه للنساء والقاصرات من الطفلات المغلوبات على أمرهن وآخرها ما أوردته صحيفة الرياض عن فاجعة تزويج طفلة في المرحلة الابتدائية من ستيني في منطقة فيفا و غير ذلك الكثير مما يندى له الجبين، المتأمل لكل هذه الحالات لا يملك إلا التسليم بأن ترك الأمور على عواهنها و الارتكان إلى ضمير الناس دون وضع قانون منظم لم يحل هذه المشكلة الإنسانية و لم ينتصف للجانب الأضعف في المعادلة المجتمعية. و يستمر ذلك كله رغم تمسكنا الظاهر بالشريعة الإسلامية. ولا نمل من التكرار أنه لا تناقض بين مقاصد الشريعة وبين وجود مدونة للأسرة. ذلك لأن المشكلة إنما تكمن في السلوك البشري، وأن السلوك البشري، في ظل اختلال موازين القوة بين الرجل و المرأة، في حاجة للقوانين المنظمة له و الضابطة لجموحه.من المفرح جداً أن نجد العديد من المبادرات الجمعوية و الفردية و الإعلامية من قبل النساء السعوديات لتبني مشاريع تعمل من أجل استصدار أنظمة تعالج قضايا الأسرة. إن جهود الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في هذا المجال من خلال ما تقوم به لجنة الأسرة و لجنة الدراسات والمتابعة و جهود برنامج الأمان الأسري الوطني برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة صيتة بنت عبدالله وغيرها من الجهود الفردية كلها تصب في منظومة متكاملة من أجل تقصي حالات الانتهاكات الأسرية و متابعتها لإيجاد الحلول. ولعل مبادرة الطلاق السعودي، وهي مبادرة إعلامية اجتماعية تطوعية تهدف لإصدار نظام للأحوال الشخصية ينهي معاناة المطلقات السعوديات، و التي يبدو أنها تأتي ضمن مشروع أكبر يعالج مجمل جوانب تنفيذ الأحكام، تحظى بما تستحقه من دعم رسمي و مؤازرة إعلامية، إذ هي أول خيط في بناء نسيج قانوني يتم من خلاله التعامل مع قضايا الأسرة. فنحن بحاجة إلى منهج إرادي مماثل و مبادرات جديدة تنظم قضايا الزواج و حضانة الأطفال و النفقة حتى نتمكن من بناء أسرة متوازنة لا تهددها نساء مشردات بعد الطلاق و لا يسودها العنف ضد الأطفال تخلو من التحرش الجنسي و زواج القاصرات. إلا أن هذه الجهود المتناثرة هنا أو هناك في حاجة إلى أن تقف وراءها جهود المجتمع برجاله و نسائه. كما أنها في حاجة للغطاء السياسي الداعم له. النساء السعوديات يعملن بجد و مثابرة لكن يظل أملهن في الدعم السياسي الداعم لبناء أسرة متينة و متوازية عن طريق إصدار قوانين منظمة للحقوق و الواجبات لكل أفراد الأسرة خاصة بعد أن تفاقمت المشاكل و ازدادت التحديات .... و للحديث بقية. حاجتنا إلى مدونة الأسرة (2)في مقال الأسبوع الماضي أشرت إلى أن تفاقم المشاكل الأسرية في المجتمع، ووقوع الكثير من النساء ضحايا لممارسات تعسفية متناقضة والتعاليم الدينية، يحتم الإسراع في وضع مدونة تقنن الوضع الحقوقي للأسرة في إطار من العدل والمساواة المستقاة من روح الشريعة السمحة. كما أشرت إلى البوادر الطفيفة التي يطرحها الآن مجلس الشورى فيما يختص بأحد هذه الجوانب ألا وهو الطلاق وتوثيقه.و اليوم بات واضحاً أن قضايا الأسرة وخاصة ما يتعلق بالعنف الذي بدأ يجتاح النساء والأطفال لم تعد أمراً مسكوتاً عنه. إن ظاهرة العنف الأسري، التي كانت تعتبر " تابوهاً " اجتماعياً ينظر إليه على أنه شأن داخلي لا ينبغي طرقه في مجتمعنا، أصبحت في ظل التغطية الإعلامية المتلاحقة مسألة مكشوفة. وقد أوردت الدراسات (الوطن19/رجب/ 1429) تنامي ظاهرة العنف الأسري وأن 99% من مصادره هم الأزواج والآباء. كما أظهرت تقارير الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان أن العنف الأسري قد استحوذ على نسبة 16% من إجمالي القضايا التي وصلت إليها وطالبت ب ـ"مدوِّنات" وطنية لحقوق المرأة والطفل والحماية من "العنف الأسري"، كما ورد في صحيفة الحياة 11/7/2008. وقد طالب التقرير الصادر من الجمعية بإطلاق مدونة وطنية لحقوق المرأة، وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، والمواثيق الدولية التي انضمت حكومة المملكة لها، والأنظمة المحلية، لتكون في متناول القضاء، والجهات ذات العلاقة في شؤون المرأة، ومدونة وطنية أخرى لحقوق الطفل، تكون مرشداً للأجهزة الحكومية والأهلية في معالجتها لكل ما له علاقة بالطفل.و لما كانت هذه القضايا ليست بالجديدة على الساحة الإنسانية، فإنه من نافلة القول إن هناك من التجارب والقوانين والأنظمة ما يمكن أن يشكل معيناً كبيراً يمكن لنا أن نستقي منه حاجتنا بما يتسق والمبادئ الكبرى للشريعة السمحة. إلا أنه ليس كل ما في قوانين الأسرة العالمية يمكن الأخذ به لاعتبارات عدة: عقدية واجتماعية وثقافية. ولكن، في الوقت نفسه، من نافلة القول أيضاً إنه لا ينبغي أن نبدأ من الصفر، ولا ينبغي البدء على استحياء وبالتقسيط، إذ إن هناك من التجارب في البلدان الإسلامية ما يمكن أن يشكل قاعدة صلبة ومتكاملة للانطلاق منها.واحدة من هذه التجارب التي ذكرتها في مقالي السابق هي التجربة المغربية على وجه التحديد. ذلك لأنها أولاً تنطلق بكل وضوح ومباشرة من مبادئ الشريعة الإسلامية وتقرر بكل قوة أنها "لا تحل ما حرّم الله ولا تحرّم ما أحله". وفي هذا التقرير سبب كافٍ - لا أعرف سبباً أقوى منه - لأن تكون منطلقاً نكيف عنه مدونة أسرة سعودية. ومن المهم أن نتعرف نساءً ورجالاً وبشكل معمق على هذه المدونة وظروف انبثاقها.تتضمن هذه المدونة 400 مادة تتعلق بتفاصيل الأحكام الخاصة بتنظيم شؤون الأسرة تشمل الزواج والطلاق والولادة والحضانة والأهلية والنيابة الشرعية والوصية والميراث. فهي بمثابة المسطرة القانونية لكل قضايا الأسرة بحيث تحقق إنصاف المرأة وحماية لحقوق الطفل وصيانة لكرامة الرجل. وقد شكل صدور هذه المدونة حدثاً حقوقياً ومجتمعياً وتاريخياً بارزاً باعتبارها مشروعاً حضارياً ينطوي على بعدين مهمين هما: الحمولات القانونية النوعية والتأسيس لقواعد بناء المجتمع الحديث في دولة عربية تتشبث بمقاصد الإسلام السمحة القائمة على روح المودة والوئام والتكافل الاجتماعي. فهي بذلك ليست مكسباً للمرأة فقط بل هي دعامة للأسرة المتوازية المتشبعة بها ثقافة وممارسة وسلوكاً. وهي أيضاً استجابة للعمل الجماعي المتجاوب مع طموحات الحكومة الإصلاحية على نحو يجعل النساء شقائق للرجال في الحقوق والواجبات الإنسانية والمواطنة والمسؤولية.و مدونة الأسرة المغربية هذه جاءت نتيجة لمشروع قانون عملت الجمعيات النسائية المغربية بمثابرة وإصرار على أن يرى النور ليكون حالة معاشة لكل أفراد الأسرة. وقد صدرت رسمياً بعد أن صادق عليها البرلمان بالإجماع واعتمدها الملك محمد السادس ملك المغرب في خطاب افتتاح السنة التشريعية الثانية من الولاية السابعة عام 2004 لتصبح بعد مسيرة طويلة من العمل الدؤوب قانوناً مكتوباً وملزماً يعمل به في المحاكم.وأشير هنا أيضاً إلى نقطتين هامتين في المدونة. الأولى هي تصدير المدونة بافتتاحية خطاب الملك محمد السادس لدى استقباله رئيسي مجلسي البرلمان التي يؤكد فيها على التزام المغرب بالقيم المؤسسة للقوانين الواردة في المدونة من أجل تصحيح صورة الإسلام مما لحقها من تشويه وتطرف مؤكداً قدرة العمل الإسلامي على الانسجام مع متطلبات العصر الحديث ومن أجل تأكيد التكامل بين المرجعية الإسلامية والكونية القائمتين على مبادئ الحرية والمساواة والإنصاف والتضامن. والأمر الثاني هو دور كل من وزارتي العدل والشؤون الإسلامية في دعم هذه المدونة. فقد تم تقديم المدونة من قبل وزير العدل في دولة المغرب الذي اعتبر التعريف بهذه المدونة ونشرها بمثابة مواكبة للإصلاحات الشاملة في المغرب كما أكد على أن الإطلاع على النصوص الواردة في المدونة يعتبر أمراً هاماً لتعميق الفهم السليم للنصوص وإدراك المقاصد والأهداف والتعريف بروح التشريع التي بنيت عليها المدونة والتي من شأنها أن تحقق للأسرة الاستقرار والتنشئة الصالحة. وفي الوقت ذاته أضاف بأنه مهما بلغت قواعد مدونة الأسرة من ريادة وضمانات حقوقية فإن ذلك يبقى ناقصاً إذا لم يكن هناك قضاء قوي وفعال قادر على تفعيل القوانين في الممارسة العملية. أما وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية فقد شدد في كلمته أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين على دور الوزارة ووعيها وإسهامها في دعم الجانب التربوي الجوهري للمدونة من خلال الخطاب التوجيهي للعلماء والأئمة في المساجد والمدارس.... وللحديث بقية.
حاجتنا إلى مدونة الأسرة (3)في المقالين السابقين أشرت إلى أن تفاقم المشاكل الأسرية في المجتمع، و وقوع الكثير من النساء ضحايا لممارسات تعسفية متناقضة والتعاليم الدينية، يحتم الإسراع في وضع مدونة تقنن الوضع الحقوقي للأسرة في إطار من العدل و المساواة المستقاة من روح الشريعة السمحة. كما أشرت إلى أن مدونة الأسرة المغربية يمكن أن تشكل منطلقاً نبني منه مدونة أسرة سعودية متكاملة نحن في أمس الحاجة إليها، و ألمحت إلى أهمية الدعم السياسي و القانوني و التشريعي الذي منحته السلطة السياسية ممثلة في الملك و وزارتي العدل والشؤون الإسلامية في المغرب.يظل الأمر الأكثر أهمية في صدور مدونة الأسرة المغربية الالتفات إلى الجهود النسائية التي أسست لها و عملت على تجسيدها إلى حيز الواقع المعاش. فما وراء تلك المدونة كانت هناك محطات كبرى من العمل التوعوي و التثقيفي لأكثر من ربع قرن من الزمان قادتها المرأة والجمعيات النسائية في المجالات الاجتماعية و الثقافية و السياسية و الإعلامية. و علينا أن ندرك أنه لا مكاسب دون جهود جماعية من قبل النساء و الرجال المؤمنين بدور القوانين في بناء أسرة متماسكة بعيدة عن الظلم و التجاوزات والانحرافات.و بداية المحطات الكبرى في مراحل تلك المدونة بدأت بمراجعة مدونة الأحوال الشخصية الصادرة عام 1958 والتي كانت تعامل المرأة على أنها قاصرة مدى الحياة. وتكللت هذه الجهود عام 1993 بالإصلاح الأول للمدونة و خطة إدماج المرأة في التنمية الوطنية. في كل تلك المسيرة كانت هناك جهود متكاملة و متتابعة من قبل الجمعيات و المنظمات النسائية بشتى أطيافها عملت على الإصلاح الثاني للمدونة تكلل بصدور مشروع "ربيع المساواة" عام 2001 و هي مذكرة الجمعيات النسائية من أجل تغيير شامل لمدونة الأحوال الشخصية مدعمة بالحجج الاجتماعية و القانونية و الحقوقية و الفقهية. و قد استقبل الملك محمد السادس وفداً نسائياً يقود هذا المشروع كان قد بعث بمذكرة للملك حول إصلاح المدونة، و قد انتهت كل هذه الجهود بتشكيل لجنة استشارية للنظر في إصلاح المدونة بما يكفل تحقيق ما جاء في المذكرة النسائية من إصلاحات و قوانين للأسرة. و لم تتوقف النساء بمجرد رفع المذكرة للملك بل قمن بحملات مدافعة و مرافعة و لقاءات مع المستشارين و كبار المسؤولين دعمتها حملة إعلامية مرافقة و حملات توعية شعبية.من الواضح أن مدونة الأسرة المغربية لم تكن هبة من أحد، كما لم تكن في الوقت نفسه عصاً سحرية استطاعت بتلويحة منها القضاء على كل مشاكل الأسرة. بل كانت و بكل تأكيد محطة متقدمة في مشروع الإصلاح الاجتماعي و القانوني جاءت نتيجة طبيعية لجهود متواصلة من كافة النساء الناشطات الحقوقيات و المثقفات و السياسيات. و هذا يعني أن إصلاح قانون الأسرة في مجتمعنا يجب أن ينطلق من فعل الوعي أولاً ثم يتبعه فعل المناصرة و العمل.و لقد تحقق لدينا و لله الحمد قدر لا بأس به من الوعي بقضايا الأسرة مما نراه واضحاً في الكثافة الإعلامية لحالات تتعرض فيها الأسرة لممارسات تعسفية و انتهاكات خاصة للأطراف الأضعف فيها من النساء و الأطفال. كما بدأت وزارة العدل في تدوين صكوك الأحكام الصادرة لتكون نبراساً يهتدى به في المحاكم. وقد تم بالفعل الإصداران الأول و الثاني من المدونة كما هو منشور على موقع الوزارة الإلكتروني. وقد تميز الإصدار الثاني بتخصيص جزء متكامل لتدوين بعض قضايا الأحوال الشخصية على شكل نشرة للأحكام النهائية الصادرة عن المحاكم بخصوص الزواج و الطلاق و الفسخ و الخلع والنسب و الحضانة. إلا أنه من المهم أن نشير هنا إلى أن مدونة الأسرة التي نتحدث عنها هنا ليست مجرد نسخة مجمعة مما صدر من صكوك أحكام، بل هي مدونة للقوانين الخاصة بالأسرة.هذا هو مطلب المرحلة التي نمر بها في المملكة، فالنساء السعوديات - و المجتمع السعودي عامة - وصلن إلى قدر عال من التعليم و قدر لا بأس به من النضج المعرفي و الاستقلالية الاقتصادية. غير أن أحوال الأسرة، خاصة ما يتعلق بالتشدد في الوصاية على المرأة، ما زالت تمثل عائقا أمام الاستفادة من هذه الإمكانيات السعودية. وفي نفس الوقت ما زال الكثير من النساء، و خاصة ممن يعشن ظروفاً اقتصادية صعبة، يقعن ضحايا لاستغلال الأقرباء كالزوج أو الأب أو الأخ مما يجعلهن يلجأن إلى دور الحماية الأسرية أو المحاكم الشرعية.إن تحديات المرحلة الراهنة تفرض علينا عدم الاستمرار في هدر الوقت و الاكتفاء بمرحلة إعطاء الحقوق بالتقسيط بل علينا الإمساك بهذه اللحظة التاريخية في مسيرة مجتمعنا لتوظيف خبرات و كفاءات الرجال و النساء الصادقة نحو إصدار مشروع قانون متكامل و ملزم و مكتوب يعمل به في المحاكم. ولعل أول التزاماتنا و أبرزها هو الحيلولة دون الالتفاف على مقاصد الشريعة السمحة و الذي نشهد بعضاً منه ممارساً من قبل أولئك الذين يستغلون الفراغ القانوني في المجتمع. و بعد ذلك يمكن الإشارة إلى الالتزامات الأخرى التي وقعت عليها المملكة العربية السعودية على المستويين الوطني و الدولي و التي تشمل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. و لعل التصريحات الحكومية التي طالعناها مؤخراً حول تشكيل لجنة حكومية بقرار من سمو ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز للنظر في مطالب تقدمت بها الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان و توصيتها بتعديل مجموعة من أنظمة الدولة وتفعيل القرارات التي صدرت سابقاً ولم تنفذ، هي بمثابة خطوة قوية في طريق رفع الوصاية عن المرأة، و لنا دائماً في دعم خادم الحرمين الشريفين و ولي عهده الأمين لكل ما من شأنه حفظ كرامة المرأة و تماسك الأسرة، مؤشر قوي على مواءمة اللحظة الراهنة للسير قدماً نحو بلورة مشروع مدونة الأسرة.إن تفاقم القضايا الأسرية في مجتمعنا لا يترك لنا فسحة للانتظار طويلاً أو الاكتفاء بالمبادرات الجزئية كتلك التي تتطرح الآن في مجلس الشورى. ومع الترحيب بهذه المبادرة إلا أنه لا بد من الاعتراف بأنها خطوة صغيرة لا تتناسب و خطورة القضية و إلحاحها. نحن بحاجة إلى تنسيق الجهود بين الجهات الحقوقية المختلفة ممثلة في الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان و هيئة حقوق الإنسان و اللجنة الوطنية للطفولة و برنامج الأمان الأسري و أقسام الحماية بمكاتب الإشراف الاجتماعي النسائي من أجل طرح مشروع متكامل لقوانين الأسرة. نحن بحاجة إلى حملة إعلامية مساندة لهذا المشروع ترافقها حملة حقوقية لمحاربة الأمية القانونية من أجل الوصول إلى أكبر شريحة من أفراد المجتمع رجالاً و نساءً و أطفالاً. نحن بحاجة إلى مبادرات أكثر جذرية و إلى منهج إرادي شجاع يدعمه القرار السياسي من أجل الوصول إلى بلورة هذه المبادرة في شكل مدونة للأسرة السعودية تنظم قضايا الزواج والطلاق و حضانة الأطفال و النفقة حتى نتمكن من بناء أسرة متوازنة لا تهددها نساء مشردات بعد الطلاق و لا يسودها العنف ضد الأطفال. أسرة تخلو من التحرش الجنسي و زواج المسنين من الأطفال والقاصرات.و أخيراً، لا بد من الإشادة بالجهود و المبادرات التي تقوم بها النساء السعوديات بشكل مكثف من أجل إيجاد نظام يقنن قضايا الأسرة. النساء السعوديات يعملن بجد و مثابرة، لكن يظل أملهن بعد الله في الدعم السياسي لبناء أسرة متينة و متوازية عن طريق إصدار قوانين منظمة للحقوق و الواجبات لكل أفراد الأسرة خاصة بعد أن تفاقمت المشاكل وازدادت التحديات.
*كاتبة وأكاديمية سعودية
_____________________________________المصدر: الوطن