هـل يمكـن التحكم في جنس الجنيــن؟
تحقيق - جليلة كمال:
عبر العصور واختلاف الشعوب ظل أمر جنس المولود المنتظر هو شغل الوالدين الشاغل »يارب ولد.. يارب بنت« رغبات لا تنتهي الا بانتهاء البشرية، وذلك لاعتبارات خاصة، حكمتها الطبيعة والفطرة البشرية والاعتقادات المرتكزة على الاحتياجات الانسانية.
اليوم تحكم بعض هذه الرغبات امور طبية تفرضها كثير من الامراض المرتبطة بالجين الذكري على حدة او الجين الانثوي، مثل الامراض الوراثية ولذلك فقد كان أمر عزل الاجنة الذكور عن الاناث في المراحل الاولية لتكونها ودراستها حاجة ملحة على الصعيد الطبي للحد من ولادة اطفال مرضى ومشوهين، الامر الذي تكاتفت له جهود علماء الاجنة ممهدة للتمكين من اختيار جنس المولود
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بنفسه، هل يعتبر اختيار جنس الجنين تقدما علميا ام تقهقرا انسانيا، وبالتالي ما الذي يدفع الازواج الى السعي بأي ثمن الى انجاب بنت او ولد؟
للوقوف على تفاصيل هذه الجوانب، حرصت الايام على الالتقاء بعدد من ذوي الاختصاص والخبرة بهذا المجال حيث اوضحوا عددا من المسائل المرتبطة بالموضوع، واضعين النقاط على الحروف.. فكانت هذه الحوارات:
ان موضوع اختيار جنس الجنين ليس وليد الساعة، هكذا انطلقت الدكتورة مريم غلوم الاستشارية العلمية لمختبرات اطفال الانابيب بالمستشفى العسكري واستاذ مساعد بمركز سمو الاميرة الجوهرة للطب الجزئي وعلم الوراثة بجامعة الخليح العربي مشيرة انه قديم بقدم الشعوب، فتذكر مثلا،
ان الفراعنة والرومان، كانوا يسعون لانجاب الاناث، لان اغلب الآلهة التي كانوا يقدسونها اناث، وان الاغريق كانوا يحبذون المولود الذكر لانه الاكثر استطاعة على مواجهة الحروب، وفرض الحماية من ناحية اخرى، واعتمادا على اعتقادات شعبية متوارثة،
كذلك افترضت بعض الشعوب ان تناول بعض الاكلات المعينة او ممارسة بعض الطقوس الغريبة قبل الجماع من شأنها تحديد جنس الجنين.
كثيرة هي المحاولات التي سعى لها العرق البشري من أجل تحديد جنس الجنين، اعتمدت كلها على افتراضات النجاح او الفشل، حتى تدخل العلم، واصبح لاختيار جنس المولود وسائل مختلفة تتفاوت في درجات تعقيدها وفرص نجاحها، وبدأت بفرضيات تم تناقلها مع الاجيال ووجدت لها مدخلا عمليا لتنتهي بوسائل معقدة وغاية في التطوير يديرها علماء الاجنة في مختبرات معقدة التجهيز مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين
وسائل اختيار جنس الجنين
أما عن وسائل اختيار جنس الجنين فتواصل الدكتورة مريم قائلة: توجد وسائل متعددة في هذا المجال لكن معظمها غير مسند بأدلة عملية بل ببعض العادات الاجتماعية او النظريات العلمية الخفيفة، وتذكر منها
- اولا: »الغداء«، وهو اتباع المرأة لحمية غذائية لمدة زمنية محدودة تدعم بها المخزون الغذائي الذي يشجع الجنس المرغوب به،
- ثانيا: »توقيت الجماع« وتعتمد هذه الطريقة على الخصائص الفزيائية للحيوانات المنوية التي تختلف فيها الحيوانات المنوية الذكرية عن الانثوية، حيث ان الحيوان المنوي الذكري خفيف الوزن، سريع الحركة، لكن أمده قصير، في حين ان الحيوان المنوي الانثوي ثقيل الوزن بطيئ الحركة ويعيش لفترة زمنية اطول وبناء على ذلك، فاذا حدث الجماع مباشرة بعد حدوث الاباضة فان الكفة ترجح الذكور والعكس صحيح
- وثالثا، »الغسول المهبلي« او الدش المهبلي، سواء كان حامضي وهو الأكثر ملاءمة للحيوان المنوي الانثوي او الوسط القاعدي والذي يناسب الحيوان المنوي الذكري.
- اما رابعا، فهو »البرنامج الصيني« والذي يعتمد على الاعشاب والفرضيات الفلكية لتحديد جنس المولود.
أما الوسائل العلمية الدقيقة الاكثر نجاحاً في هذا الصدد فتتلخص في تقنيتين الاولى تتجلى في فصل الحيوانات المنوية المذكرة بواسطة مكثفات بروتينية مستخلصة من مصل دم الابقار، ثم تقوية هذه الامشاج وزرعها في رحم الزوجة عند التبويض بواسطة الحقن الاصطناعي وتشير الدكتورة بأن تقنية فصل الحيوانات المنوية ترجح كفة الحيوان المنوي الذكري على الانثوي، بحيث تكون نسبة الحيوان المنوي الذكري عالية بحدود 80٪ بينمالا تتعدى نسبة فصل الحيوان المنوي الانثوي 60٪ نتيجة لطبيعة خاصة بتقنية الفصل والتي تحتاج الى دراسة وتدقيق أكثر لتطويرها
اما التقنية الثانية والاكثر نجاحا وضمانا فتتعلق باطفال الانابيب، وفيما يتم دراسة نوع الاجنة بعد تشكلها وانقاسمها، بحيث يقوم فني المختبر بتحديد جنس الاجنة، ولا يتم ارجاعها الى رحم السيدة سوى الاجنة المرغوب في جنسها.
وتؤكد الدكتورة ان هذه التقنية تضمن تحديد الجنس لكنها لا تضمن الحمل، فهذا الاخير بإذن الله تعالى، بحيث انه ليس هناك من اسلوب قاطع لتحديد جنس الجنين واحداث الحمل مائة في المائة.
وهناك اسلوب ثالث يعتمد على فصل الحيوانات المنوية عن طريق جهاز يفصل الحيوان المنوي الذكري عن الانثوي بواسطة مادة صبغية فلور سنتية متعددة الاضاءة بالالوان الا ان هذه الطريقة مازالت حكرا على الماشية وبشكل محدود
دوافع اختيار جنس الجنين
وعن دوافع اختيار جنس الجنين، تقول الدكتورة مريم بأنها متعددة وتتفاوت من شخص لآخر، ويمكن تقسيمها الى قسمين اساسيين:
اجتماعية، وتهدف الى تحقيق التوازن الاسري، كأسرة اطفالها اناث او العكس، واسباب طبية وهي الاهم، وتتلخص في الامراض الوراثية التي ترتبط بجنس المولود (مثل مرض الهيموفيليا »سيولة الدم« والتي لا تمس سوى الذكور فقط) كما ان هناك دوافع انسانية
في المستشفى العسكري توجد لجنة داخلية تتكون من اطباء واخصائيين اجتاعيين ونفسيين، بالتعاون مع علماء الدين عملهم النظر في الطلبات المقدمة اليهم من قبل الازواج وتمحيص دوافعها وتحديد اذا ما كان للازواج حق في تحديد الجنس ام لا، وذلك لتفادي استغلال هذه التقنية بصورة غير صحيحة، لان هذه التقنية اذا ما اصبحت في متناول الجميع، فانها قد تولد نوعا من عدم التوازن الديمغرافي
وتختم الدكتورة مريم غلوم كلامها بأن هناك تعاونا بين المستشفى العسكري وجامعة الخليج العربي (كلية الطب) بخصوص دراسة وتحليل الجينات وراثيا وتحضير المواد والاجهزة المخصصة لذلك، مشيدة بدعم الحكومة البحرينية لمجال الطب وجعله في مصاف الدول المتقدمة
تقنية متطورة ولا أضرار على المجتمع
من ناحيتها أكدت الدكتورة عفاف الحمر اخصائية امراض العقم والولادة بأن تقنية اختيار جنس الجنين في مملكة البحرين تعرف تطورا محلوظا وتشهد اقبالا متزايدا وذلك لخلو هذه التقنية من الاضرار والمخاطر على المجتمع،
ويجوز اعتمادها لاسباب طبية كمنع انتقال مرض وراثي للجنين او لاسباب اجتماعية، وتنعكس في تحقيق التوازن الاسري، او انسانية مرضية وتورد الدكتورة عفاف مثلا على ذلك بانها اجرت عملية تلقيح اصطناعي بالحيوانات المنوية الحاملة للكروموسوم الذكوري (Y) لسيدة اصيب زوجها بسرطان الدم ولم ترزق الا ببنت واحدة،
ونظرا لمخاطر العلاج الكيميائي واحتمال اصابة الزوجة بالعقم، لم تجد الاسرة الصغيرة سوى المطالبة بطفل ذكر يحمل اسم العائلة ويساعد في امتدادها، وقد تكللت العملية بالنجاح وتحققت فرحة الاسرة بالمولود الذكر.
وتواصل الدكتورة كلامها مبينة بان هذه التقنية لا تتعارض مع الشريعة الاسلامية، ما دامت النطفة من الزوجين وما دام عدم التلاعب بالخلايا مضمونا.
ثلاث الى اربع عمليات في السنة
وعن المعدل السنوي لعمليات اختيار جنس الجنين، تشير الدكتورة عفاف الى غياب الاحصائيات الدقيقة في هذا الشأن، وبالنسب اليها فان معدل العمليات التي تجريها بهذا الخصوص يتراوح ما بين ثلاث الى اربع عمليات في السنة وذلك حسب استحقاق هؤلاء الازواج فرصة اختيار جنس الجنين
تكلفة تحديد جنس الجنين
اما في ما يخص تكاليف تقنية اختيار جنس الجنين وزرعه في رحم الام فهو يتراوح ما بين 50١ دينارا للتقليح الصناعي و80 دينارا لتحديد جنس الجنين، وهكذا تبقى التقنية غير مكلفة وفي متناول الاسر المحدودة الدخل.
وفي كلمتها الاخيرة، تمنت الدكتورة ان يحصل تعاون بين الاطباء وقسم الوراثة في مستشفى السلمانية، من أجل جيل صحي وسليم.
تقنية معتمدة في البحرين منذ خمس سنوات
ويرى الدكتور »نبيل رزق الله« (استشاري امراض النساء والولادة والعقم في المستشفى العسكري) أن التطور العلمي قد احدث تقدما كبيرا في تقنية تحديد جنس المولود عالميا منذ ثلاثين سنة وقد اعتمدته مملكة البحرين منذ خمس سنوات، لاحتياجات طبية ملحة كالامراض الوراثية التي تصيب احد الجنسين اكثر من الآخر وتعتبر تقنية فصل الحيوانات المنوية وعمل الحقن الاصطناعي من اكثر الوسائل انتشارا في مملكة البحرين
وتتم هذه الطريقة بعد تجهيز جسم المرأة باعطاء الادوية المنشطة للمبايض لزيادة عدد البويضات وبالتالي رفع فرصة الحمل وتحريض الاباضة والقيام بحقن الرحم بالحيوانات المنوية الحاملة للجنس المرغوب به بعد فصلها في المختبر بواسطة المكثفات البروتينية، تصل نسبة نجاح اختيار جنس الجنين الى 80٪ ونسبة نجاح التلقيح باطفال الانابيب بنسبة نجاحها مائة في المائة ولكنها لا تطبق في البحرين لاعتبارات خاصة.
كما تعرف البحرين اقبالا كبيرا على تقنية (تحديد جنس الجنين) من جميع الفئات العمرية وعلى اختلاف المستويات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية كما ان الطلب ينصب على النوعين (الذكر والانثى) بشكل متساو.
ويبقى على الاطباء دراسة كل حالة طبيا واجتماعيا قبل البدء ببرنامج اختيار جنس المولود.