تحقيق: تهاني اللهيب
عرفت المرأة الكويتية شاي الضحى منذ القدم، لكن هذه العادة اندثرت بعد خروجها إلى العمل، وانشغالها في فترة الضحى بعملها الذي سرق منها كل وقتها، لكنها حنت إلى ماضي جدتها، فقررت أن تعيد عادة شاي الضحى إلى الحياة الاجتماعية من جديد، لكنها في هذه المرة لن تستقبل ضيوفها في بيتها... إنها تلتقي بهن في أحد الكافيهات في يوم إجازتها.
حول المزيد كان هذا التحقيق
تبدأ أم صقر حديثها عن ذكرياتها مع شاي الضحى قائلة:
كنا في السابق نجتمع كل يوم في منزل إحدى الصديقات أو الجارات وتحضر صاحبة البيت الشاي والقهوة ووجبة الضحى، ففي الماضي كانت وجبتنا صحية وبسيطة نعدها بأنفسنا بما يتوافر لدينا ولم نكن نسمع عن الأمراض الشائعة في هذا العصر كالسكر والضغط، ولم نكن نعرف الكبت لأننا كنا نجتمع يوميا تقريبا ونتحدث. ولقد لعبت جلسات شاي الضحى النسائية اليومية دورا مهما وكبيرا في ترابط المجتمع الكويتي وتلاحمه وتماسكه آنذاك.
عند اجتماعنا كنا نتحدث عن أحوالنا وهمومنا وأمنياتنا، وقد جعلتنا جلسة شاي الضحى أكثر قربا وتماسكا فإذا غابت الواحدة منا تجدنا نسأل عنها وعن أسرتها ونزورها ونقدم لها العون. ولكن في الوقت الحالي للأسف كثير من هذه العادات اندثرت بسبب خروج المرأة للعمل ودخول مستجدات على حياتنا لم تكن موجودة في السابق.
حش ونميمة
شروق محمد تعتقد أن نقل شاي الضحى الى الكافيهات عادة دخيلة علينا بسبب الفراغ والملل، وتشرح وجهة نظرها قائلة:
أصبحت النساء يخرجن للكوفي شوب للتفرج على الأخريات لترى كل واحدة منهن ماذا تلبس هذه وطريقة ماكياج تلك ولتضييع الوقت. وهناك بعض الأمهات اللواتي يعتقدن انهن اذا اخذن بناتهن وجلسن في الكافيهات فإن العريس سيأتي ويطرق الباب، والبعض هدفهن التغيير وكسر الروتين، بينما هدف البعض الآخر اجتماعي للتعارف، كما نلاحظ ارتفاع الأصوات النسائية وأكثر أحاديثهن حش ونميمة وتقليد أعمى للآخرين. ولكن بغض النظر عن الهدف فأنا لست مع هذه الظاهرة.
وتخالفها الرأي شيخة جاسر فهي ترى أن الذهاب إلى الكافيهات عادة جديدة وجميلة وتقول:
أذهب الى الكوفي شوب حتى لا نثقل على من تدعونا إلى شاي الضحى ونتعبها في إعداده ولنتبادل الأحاديث ونتعرف على أخبار بعضنا البعض وآخر المستجدات في حياة كل واحدة منا وبالدرجة الأولى لتغيير الجو. ولكن عندما أدعو صديقاتي إلى الكافيه تكون الدعوة رسمية على عكس الدعوة في البيت التي تتسم بالبساطة أكثر وأشعر بالراحة في الحديث من دون القلق من مراقبة الآخرين لتصرفاتنا.
تجمع نسائي
وتوضح ينابيع السبيعي أن شاي الضحى هو تجمع النساء بين الساعة التاسعة إلى الساعة الحادية عشرة صباحا:
يكون اللقاء دوريا على كل بيت مرة وهكذا على مدار السنة ويجري الاتفاق على أطباق منوعة تأتي بها كل واحدة. وبعضهن يبدأن اللقاء بحلقة ذكر تتولاها إحدى المثقفات وتلقيها عليهن، ويدور فيها بعض النقاش حول أمور دينية واجتماعية وأثناء ذلك يدار بالحلو أولا أو التمر وبعد ذلك تدار القهوة كما جرت العادة ومن ثم تجتمع النساء بشكل حلقة دائرية حول مائدة غنية بها ما لذ وطاب من المأكولات الخفيفة، ويتبادلن الحديث في بعض شؤونهن الخاصة وبعدها يتفقن عند من سيكون شاي الضحى القادم. وكان هذا الاجتماع يوميا، أما الآن مع تسارع وتيرة الحياة وانشغال النساء بأشياء أخرى أصبح اللقاء يوميا صعبا، فصار يوما في الأسبوع ويكون في أيام الإجازة أو مرة في الشهر وتحول الاجتماع إلى الكافيهات والمقاهي.
شكل عصري
ورأي أم جاسم في شاي الضحى أنه تقليد كويتي قديم اختصت به النساء، وعنه تقول:
اشتهرت به الكويتيات منذ القدم حينما كان يخرج الرجال للتجارة والغوص، فتتجمع النسوة في بيت إحداهن يتبادلن الأحاديث ويتناولن الشاي والقهوة والمأكولات الشعبية، فصارت عادة سميت بشاي الضحى، وما زالت مستمرة حتى اليوم وإن كانت تأخذ شكلا عصريا جديدا الآن حيث تلتقي النسوة في التوقيت نفسه (الضحى) ولكن في بعض المطاعم والمقاهي المخصصة للنساء، ويتناولن إفطارا متأخرا وشايا وقهوة أو مأكولات خفيفة مع الشاي.
فرصة للتعارف
تبين أم راشد أن هناك تقليدا بدأ يشيع حاليا بين أوساط النساء:
تقيم نساء عائلة ما يوما تتجمع فيه نساء هذه العائلة وبناتها، يلتقين مرة في الشهر مثلا في أحد الكافيهات أو المطاعم يتعارفن وتوصل بذلك الأرحام، وأحيانا تكون فرصة مناسبة للأمهات لاختيار زوجات لأبنائهن من الفتيات المتواجدات، وغالبا ما تتحدث نساء العائلة عن مشاكل الصغار وأمور الحياة الزوجية والطبخ والزينة.
أمكنة فارهة
سعاد شاكر تقارن شاي الضحى بين الأمس واليوم قائلة:
قديما كان شاي الضحى اجتماع كبار السن من النسوة حيث يجتمعن في بيت واحد ويشعلن النار على حطب يقال له 'القضى' يعمل عليه الشاي الثقيل جدا، ويوضع إبريق آخر فيه ماء مغلي على النار نفسها فتكون الضيافة هي الشاي الثقيل بمقدار ما تريده المرأة مضافا له الماء والسكرحسب الرغبة. وتدور بين النساء أحاديث من الماضي يتذكرنها في هذا الاجتماع وبقلوب نقية تختلف عن هذا الزمن من قصص وعبر حيث يستفيد بعضهن من البعض الآخر وينقلنه إلى أبنائهن. وقبل الآذان لصلاة الظهر ينصرفن لقضاء التزاماتهن المنزلية على أمل اللقاء لشاي الضحى القادم عند إحداهن وهكذا...
أما الآن ومع تسارع نبض الحياة، والعمل، وركوب عجلة التحديث، بدأت تلك المجالس تشق طريقا آخر من حيث المكان، ودفء الكلمة، إلى أمكنة فارهة التطريز، منسقة على نظم الحديث، تسير على نظام غربي التكوين فقد انتقل مجلس شاي الضحى من البيت إلى المقهى مع المحافظة على موعد اللقاء.
توافر الخصوصية
نورة سعيد هي من مرتادي الكافيهات مع مجموعة من صديقاتها، تقول:
حمل الشاي من الصباح الباكر والذهاب إلى الجيران صار من الماضي. والخصوصية التي وفرتها بعض الكافيهات للعائلات تسمح لنا بالتجمع من دون أن نتعرض لأي مضايقات. ولا أتصور نفسي أدخل المطبخ صباحا لأحضر الطعام والفطور لتجمع رفيقاتي فالمقاهي والمطاعم أوفر للوقت، حيث لا أشعر بأعباء الإعداد المسبق لمثل هذه الاجتماعات.
التخلص من أعباء الامتحانات
ولا تقتصر جلسات شاي الضحى على السيدات والمتزوجات، فطالبات المدارس كذلك لهن جلساتهن، فطيبة الحميدي وهي في مرحلة الدراسة الثانوية تقول:
إنني أجتمع مع صديقاتي مرة كل أسبوع، خصوصا يوم الخميس، في أحد الكافيهات الخاصة بالعائلات لتناول الشاي مع وجبة خفيفة، حيث نلتقي سويا ونتحدث ونضحك ونجدها فرصة للتخلص من أعباء الامتحانات والمذاكرة، وفي الموعد المحدد لإنهاء الاجتماع أو شاي الضحى يأتي الأهل لاصطحابنا إلى المنزل.
كسر للجمود
وشيرين بدير تقول:
اجتمع وصديقاتي في المقاهي المنتشرة في المجمعات ومراكز التسوق، نتناول وجبة خفيفة مع فنجان الشاي، نجتمع لنلتقي بعضنا ونشم هواء نقيا خارج العمل وقيوده، إنها فرصة لكسر الجمود والتخلص من مشاكل العمل والتفكير في الذات، ونشعر بأننا نعطي أنفسنا اهتماما خاصا، نتجاوب به مع مطالب النفس التي تأمرنا باللقاء ونرى بعضنا محاولة منا للتخلص من همومنا ومشاكلنا.
وقت فراغ
عبير الجاسر حديثة العهد بالزواج اعتادت على ارتياد هذه المقاهي منذ زواجها:
أعيش في بيت أهل زوجي وهناك من يعد طعام الغداء، ولوجود وقت فراغ طويل أصبحت أخرج مع بعض صديقاتي في أوقات مختلفة للمقاهي كمضيعة للوقت. حاولت مرارا جمع صديقاتي في منزلي ولكنهن شعرن بالملل وبالتقيد، فلم يأخذن راحتهن بالحديث بسبب وجود أهل زوجي معهن.
رأي متخصص
شاي الضحى في الفولكلور الكويتي
التقينا بالباحث صالح المسباح ليحدثنا عن شاي الضحى الذي كان يمثل ظاهرة شعبية اجتماعية بين النساء قديما فقال:
في السابق كانت المرأة تعزم صديقاتها وغالبا، يكن من الجيران (الجارات) في وقت الضحى لشاي الضحى، فتجهز الفحم والدوة وتعد الشاي وتخدره ثم تجهز العدة من مواعين مثل استكانة أم نقطة وغيرها من الأواني الفولكلورية، كما تجهز النخي والباجلا وخبز التنور والبقصم وقرص العكيلي.
أما في الشتاء فتجهز الشاي بأنواعه للدفء كشاي الدارسين والزعفران واللومي، وتجتمع النسوة من الساعة التاسعة حتى الحادية عشرة صباحا ويعدن إلى منازلهن قبل صلاة الظهر لإعداد وجبة الغداء لأن الزوج سيعود إلى المنزل ولابد أن يكون الغداء جاهزا، وقبل انصراف النسوة تقترح إحداهن أن يكون شاي الضحى عندها غدا في منزلها. علما بأن شاي الضحى قديما لم يكن يوميا، وكانت المرأة تستغل غياب زوجها لشاي الضحى، خاصة إذا كان مسافرا عبر رحلة غوص في الصيف أو عبر رحلة سفر في الشتاء.
أما الأحاديث فلم تكن للنميمة خاصة أن المجتمع كان مترابطا ومتحابا ومتعاونا والمرأة لم تكن قد خرجت إلى العمل بعد، ومن هنا لا نجد النميمة كما نجدها بين الموظفات اللاتي يشكين مثلا من المسؤولة التي لم يرتحن معها، بل كانت موضوعات النسوة قديما حول قلقهن على أزواجهن ومتى يعودون من البحر.
كما كان شاي الضحى فرصة للتعرف على الفتيات في المنزل، لتتم خطبتهن لمن لها ابن في سن الزواج، والأحاديث كانت اجتماعية حول الزواج والخطبة وبعضهن كن يتسلين بالفال الذي يعرف بالمجتمع العربي بالودع.
وعن شاي الضحى اليوم يقول المسباح:
النساء ينقسمن إلى قسمين الأول يخرج إلى العمل والقسم الثاني ربات البيوت وكبار السن، أما القسم الأول فيفضل الكافيهات لتوافر الخدمات ولأنهن تعودن على الراحة ويردن من يخدمهن في التقديم، أو رغبة في التغيير سواء في المكان أو نوع الأكل أو الخروج عن المألوف، وهن لا يتأخرن في الدفع من أجل راحتهن.
أما القسم الثاني وهن ربات البيوت وكبار السن فغالبيتهن يفضلن شاي الضحى في المنزل واسترجاع الماضي ولم الأحبة في المنزل من باب المثل الذي يقول 'الجنة بدون ناس ما تنداس' وقد يشعرن بأهمية الخصوصية في اجتماعاتهن ويفضلن المنزل عن الكوفي شوب من أجل أن يأخذن راحتهن، وبعضهن يخصصن جلسة خاصة في بيوتهن من أجل شاي الضحى كالخيمة التراثية وقطع السدو والدوة والفحم خصوصا في الشتاء.
__________________________________________
القبس