(١ ـــ ٢)
بقلم ـ جعفر حمزه:
القوى المحركّة للتوجّه البشري في دائرته الشخصية كفرد متفاعل سلباً أو إيجاباً مع محيطه، تعطي تلك القوى للإنسان صيغته المميزة في تحركه الثنائي بالجذب والرفض لكل المفردات التي تدخل في تكوينه المنفرد به عن غيره،
وقد تكون المفردات متساوية الكم والنوع في محيط واحد إلا أن نسبة التفاعل المميزة من فرد لآخر هي الفيصل في عملية التمثيل المعرفي للمستجدات الواردة على الفرد، بالرغم من وحدوية المكونات المشتركة في ذلك التمثيل المعرفي، ومعترك وجود التجاذبات والصراعات للتوجهات المتباينة في عالم المُلك -كما يسميه العارفون- هي القوى البهيمية والسبُعية ومحتدّها البدن العنصري (الموقع المادي للصراع الفكري)، وكل واحدة منها تعمل عملها الشعوري الخاص بها، دون الارتباط الشرطي بغيرها إلا بنحو الممانعة الموجبة للمزاحمة والمضادة، فشهوة الغذاء تدفع الإنسان إلى الأكل والشرب من غير حد أو مقدار، فالممانعة تتأتّى من خلال سعة المعدة الموجبة للوقوف عن الأكل والشرب، أو لتعب الفك عن المضغ، وعملية الإسترسال المستمرة في بثّ الأولويّة لقوّة دون أخرى يُوجب ضمور القوى المُهملة وطغيان القوى المسيطرة، ما يُشكّل إبعاداً قسرياً عن (الاتزان الفطري) المحقق لثبات القوى وترجمتها على ساحة التحرك اليومي للإنسان، وهو الخط المرسوم من السماء مع توليفة أرضية كفيلة بوضع القوى الكامنة في الإنسان في أعلى درجاتها المنتجة، لا أعلى درجاتها المستهلكة المستتبعة لتآكل قوى لحساب قوى أخرى مما يُفضي في النهاية إلى ترهّل في السير الإنساني في هذه الحياة.
»مركزية الجسد« الأيقونة الجديدة:
الابتعاد عن الاتزان الفطري يستوجب دفع فارق الطاقة المفقودة بين الوجوب الفطري والغَلَبَة المفتعلة من قبل الإنسان لقوى دون أخرى، ويتمثل ذلك الفارق في دلالات ومفردات خرجت نتيجة حركة الإنسان الارتدادية عن العنوان العام والمنفصلة عن قانون الوسطية الفطرية، والصور السلبية في حركة المجتمع الإنساني التي أخذت بالتنامي مع تقدم الزمن هي الضريبة الأولى الواجب دفعها، عسى أن تكون موجهاً بوجوب مراجعة الذات في توجهاتها الفكرية والمعرفيّة المنعكسة على السلوك المادي الظاهري، وتزايد القوى الشاذّة والمختلقة في صنع سلوك جديد في عالم اليوم، وانسحابها على الصور الفطرية للإنسان بجنسيه يلزم الأخير بوجوب مراجعة الذات في حركتها الإرتدادية والمنغمسة حتى النخاع في تشويه وإعادة الصيغ الأولية للإنسان في أنماط تشعره بوجوده الجسدي فقط، وأقرب ساحة يستطيع الإنسان أن يتحرك فيها بحرية دون إذن من غيره هو »جسده«.
»الموضة« الرسالة الجديدة:
ويصبح الإنسان بعد مراحل تاريخية متعددة وطويلة قادر على بث إشارات التطرف الموجّه للقوى السبُعية والبهيميّة، في صور متقدمة تأخذ طابعي البساطة والتعقيد، وليكون الانجذاب الأعظم لحركة الإنسان من خلال (الجسد اللحم)، إذ أصبح- الجسد- المرجع في رسم التوجهات الكبرى في المجتمع الإنساني سواء كانت إقتصادية-وهي الأهم والأخطر- من خلال التركيز المفرط في حاجات الجسد الكمالية، أو من خلال بث عقيدة جديدة تأخذ مسمّى زالموضةس Fashion)) لها مفهومها ومعتنقيها ودُور عبادتها »صالات العرض«، ومرجعيتها »مصممي الأزياء«، ورموزها »نجوم السينما والغناء والرياضة«، فهذه العقيدة لها أسبابها النفسية المقتضية لتغيير الأشكال والقوالب الفنية والأدبية،
وتتحكم في الموضة روح العصر(Zeitgeist)، واتبّاع الموضة ومشايعتها يخلّص من إستعباد العادة، ويتيح للأنا الفرصة باستعراض نفسها، كما أنها فرصة لإرضاء النزعات والميول الجنسية، وتُشكّل الموضة الذوق العام أو الجمعي »Collective Taste« وتتجذّر الموضة »عقيدة القماش« في جانبها الاقتصادي عندما يتحوّل التعامل مع اللباس إلى جنون مالي، »أكثر من ٥ آلاف دولار لشراء لباس داخلي«، بفضل سياسة تسويقية جيدة قضت بإقامة مزاد في يوم ذكرى وفاة الأسطورة الأوبراس ماريا كالاسس بعد انقضاء ٣٢ عاماً على وفاتها، بيع مشد خصر داخلي عادي Corselet خاص بـ »كالاس« مقابل ١٤ ألف فرنك فرنسي(٠٠٥٥ دولار)، وقال أحد الحضور أن سبب مجيئه هو شراء اللباس الداخلي المعروض وتدميره من أجل حماية أسطورة »كالاسس من هذا التشويه الفاضح«!!)
وفي إحدى صور »عقيدة القماش« نقرأ الخبر التالي، ( فتحت مؤسسة زبروفايلز إن هستوريس في »لوس أنجلوس« مزادا لبيع حوالي ٠٦٣ هديّة تذكارية من »هوليوود« تتضمن رداء سوبرمان الذي ارتداه »جورج ريفرز« في المسلسل التلفزيوني الذي عرض في الخمسينات، ويقول »جوزيف مادالاينا« مدير المؤسسة:( لا أستطيع أن أفكر قي ثوب ظهر في مسلسل تلفزيوني أكثر أهمية من رداء سوبرمان). وقال أنه يتوقع أن يبلغ قيمة الرداء ٠٥١ ألف دولار).
المؤمنون الجدد بين طريقين:
وينتشر معتنقي العقيدة الجديدة »عقيدة المؤمنين بالقماش والجسد العاري« في كل العالم، وهم على مذهبين:
أولاً: المؤمنون بالقماش كصورة يجب أن تظهر وتركز كل القوى الإبداعية والإقتصادية والإعلامية وحتى السياسية منها على إظهار الأصل الأوحد في الظهور الفردي من خلال لباسه فقط، ويكفي للناظر المنصف أن يدرك هذا الأمر من خلال الرسائل الإعلامية الموجهة خلال أربع وعشرين ساعة من الدعايات التجارية التي لا تخلو إما من تصريح أو تلميح بدلالة لباسية هنا أو هناك، ليكون اللباس جزء من عقلية لا متزنة في التعامل مع قطعة القماش، ليستغرق الفكر الإنساني المعاصر لدرجة تحويل قطعة القماش إلى جزء يأخذ مساحة أكبر من حجمه المادي بكثير، بل يصل الأمر إلى اتخاذ اللباس كسلاح موجّه ضد عقائد وديانات، ''سحب سراويل عليها آيات قرآنية من سوق بميشيجان، قال مسؤولون في مجمع للتسوق أن متجراً بميشيجان وافق على وقف بيع سروال جينز نسائي عليه آيات من القرآن قال زعماء إسلاميون أنه مسيء للإسلام، والسراويل طبعت عليها كلمة »الله« والبسملة.
(مسلمون هنود يحتجون على وضع لفظ الجلالة على القمصان، ذكرت تقارير أن بيع قمصان عليها عبارة »بسم الله الرحمن الرحيم« والشهادتين، أثار إحتجاجات واسعة من جماعات إسلامية.
إشارات مناهضة للعقائد توجّه بصورة قماشية ذات دلالات إيحائية مباشرة أو غير مباشرة، للتحرك في عمق الفكرة من خلال الصورة المتحركة والمعنى المقصود الموجّه.
و من العجيب في الأمر أن تكون »المساحة القماشية« المتعامل معها ذات بُعد تأثيري سياسي وديني، فعندما تقصر »القطعة القماشية« عند المرأة في لباسها، فهي تمس سلباً بعقيدة سماوية في تعاملها مع لباس المرأة، فضلا عن رمزية متحركة لمعنى الانتماء لدين معين في صورة واضحة كالحجاب، والإثارات المتتالية من الدول الغربية وخصوصاً فرنسا تُظهر التعنّت إزاء قطعة القماش التي تغطي النساء المسلمات رؤسهنّ، و»كأنّ الحجاب رمز تبشيري بالديانة الإسلامية، وقد يصل الأمر إلى حد التعصّب اللامبرر في التعامل مع الحجاب مما يُولّد ردود فعل يعتقد الكثير منها بانّ ذلك التعامل موجّه للديانة عبر رمزيته النسائية المميزة »الحجاب«، ( طالبت جماعة إسلامية أمريكية اثنتين من أكبر شركات الطيران الأمريكية بتقديم إعتذارات عن إجبار تلميذة مسلمة تبلغ من العمر ٧١ عاماً على خلع حجابها.
وقال مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية ومقره »واشنطن« أنّ جنوداً مسلحين يرتدون ملابس مموهة أحاطوا بالطالبة »إيناس صرصور« من »فرجينيا« عندما رفضت خلع حجابها بعد مرورها عبر جهاز كشف الأجسام المعدنية في مطار بلتيمور واشنطن الدولي، وقالت هدى حسن إخصائي الحقوق المدنية بالمجلس: (بالنسبة للمرأة المسلمة الحجاب علامة من علامات الحياء وفريضة من الله،أن يطلب من الفتاة خلع حجابها-وهنا المقصد- مماثل لتفتيشها بتجريدها من ملابسها علناً.
وقد تأخذ صور التعامل مع اللباس النسائي بالخصوص منحىً لا يرتبط بدين بل بتوجهات إجتماعية،( قالت الشرطة الزامبية أنها ألقت القبض على ٠٢ عضواً بحزب حركة الديمقراطية من أجل التعددية الحزبية الحاكم بعد أن جرّد المئات من شبابها النساء اللائي يرتدين تنورات قصيرة(ميني جيب) أو سراويل من ملابسهن.
وجرّد الشبّان العشرات من السيدات من ملابسهن في العاصمة لوساكا قائلين إنهم يتصرفون باسم الرئيس اللجديد للبلاد ليفي مواناواسا الذي نسبوا له رغبته في فرض زي رسمي أو زي غير رسمي محتشم على نساء زامبيا.
وقالت الصحف الصادرة في لوساكا عن الشبان قولهم أنهم فهموا أن الرئيس مواناواسا وجه بإنهاء طريقة اللبس المثيرة والمستفزة ونهى عن ارتداء النساء الملابس الخليعة.
وتتسم زامبيا التي يبلغ عدد سكانها ١١ مليون نسمة بالمحافظة الشديدة).
وفي مشهد آخر يمثّل صورة مختلفة في التعامل مع »قصر القماش« وانسحابه السياسي على المجتمع، نقرأ الخبر التالي،( تلقّى سكّان نيوزيلندا آلاف الرسائل عن طريق البريد الالكتروني أمس الخميس تحث النساء على ارتداء تنورات قصيرة لدعم مسؤولة حكومية سابقة خسرت وظيفتها بسبب ملابسها، و قالت كريستين رانكين أن كبار الحكومة والوزراء نصحوها بإطالة ملابسها، وحثّت رسائل البريد الالكتروني صباح أمس الخميس نساء نيوزيلندا على ارتداء أقصر التنورات اليوم الجمعة للاحتجاج، ودعت الرسالة النساء على التظاهر في العاصمة ولنجتون غدا الجمعة حتى يعرف رجال هذا البلد أننا لن نتسامح إزاء قمعهم).
ثانيا: المؤمنون بالجسد العاري، ولهم أتباع كُثُر في جميع أنحاء العالم، وعلى الرغم من تطرفهم الجسدي إلا أن جرأتهم تخولهم للدخول في ميادين مختلفة حتى المعترك السياسي، (ممثلة إباحية لحاكمية كاليفورنيا، بعد زلاري فلينتز ملك صحافة الإغراء، قررت إحدى نجمات الأفلام الإباحية الممثلةسميري كاريس خوض المعترك السياسي بدورها والترشح لمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا، وبدأت تجمع التواقيع بلباس البحر بألوان العلم الأمريكي ترتدي فوقه سروالا قصيرا ضيقا،وضمن برنامجها الانتخابي، التخفيف من إرتداء الملابس، ومكافحة العنف باقتراح إستبدال الأسلحة بالأفلام الإباحية).
تلك العقلية التي تأخذ أبعاداً إستغراقية في الجسد حتى يصبح الجسد »أيقونة الربح السريع والمضمون« ولا يستلزم الأمر إعمال فكر واجتهاد في عمل سوى النزول إلى مرتبة الإنغماس في الجسد والتفنّن فيه، لتشتد المنافسة حينئذ في إبداعات الظهور الجسدي وطرق عرضه بأحدث وسائل التقنية الحديثة، بالإنترنت والعالم الافتراضي وعالم الصور المتحركة والثابتة.
(أعلنت إدارة التلفزيون البلغاري »مسات« أنها أوقفت برنامج »الحقيقة عارية« الذي كانت تقدمه مجموعة من المذيعات يقمن بخلع ملابسهن خلال تقديم الأخبار، إلا أن هذا البرنامج الذي أُطلق في ٠١ كانون الأول(ديسمبر) الماضي لاقى انتقادات كثيرة، ولم يتابعه عدد كبير من المشاهدين، على رغم أن مذيعاته الخمس فائقات الجمال، وإحداهن ملكة جمال سابقة.
و رحّب النقاد بقرار إدارة »مسات«، فيما أعلنت مذيعات أنهن سيرفعن دعوى ضد الإدارة، وأكدن أن قرارها الأخير سبّب لهن لأضراراً متنوعة).
(٢-٢)
ألهنة الجسد: لتصبح »القيم السوقية« (The Market Esteems) إثر عقيدة السوق الجديدة »ألهنة الجسد« تتحرك ضمن أُطر ترسمها القوى المالية في عالم الصورة المبتذلة والتي تدر أرباحاً طائلة على تجار الرقيق البشري، ليكون الجسد »القيمة الأم« ومحور أساسي يومي يتلقفه الفرد خلال أربع وعشرين ساعة، عبر الصور الدعائية المباشرة والإيحائية، لتختمر في اللاوعي ليستمر مسلسل »التأثر الصوري« حتى في عالم الرؤيا، لتكون هذه العقيدة الجديدة محل إيمان معظم البشر على وجه هذه الأرض من خلال »الرُسُل الإعلامية« التي إن لم تمتلك الحجة العقلية في الإقناع فهي من القوة ما يؤهلها لأن تزيد من نسبة الربحية في عالم الإقتصاد الدعائي.
( نظمت إحدى شبكات التلفزيزن في سنغافورة مباراة لانتخاب أكبر نهدين، ما أثار فضيحة حقيقية في ماليزيا المجاورة، وقالت مسؤولة الفرع النسائي في الجمعية الصينية الماليزية زتشو ماي فونس مستنكرة: »لا يمكن لأي امرأة جديرة بأنوثتها أن تتقبل مثل هذه المهانة، يصعب علي أن أتصور كيف أن شبكة تلفزيونية تبلغ من الإنحطاط إلى حد استخدام جسد النساء لتسلية مشاهديها«، وطلب ناشط في المعارضة من الشبكة أن تلغي البرنامج وتقدم اعتذراتها إلى نساء سنغافورة وماليزيا، وردّت الشبكة على الانتقادات مؤكدة أن هدفها ليس النيل من كرامة النساء بل »الترويج لجمال جسد مفعم بالصحة«!!.
ويصل »إله السوق« إلى درجة بث دعوى العُري من أجل مردود مالي، (قدّم أحد متاجر اللوازم الرياضية في مدينة »هانوفر« الألمانية عرضا مغريا لزبائنه حيث وعدهم بثياب جديدة مجانا شرط أن يأتوا عُراة كما ولدتهم أمهاتهم.
وأوردت الصحف الألمانية أن شعار هذه الحملة الدعائية الغريبة كان »اخلعوا ثيابكم نقدّم لكم غيرها«.
وقدّم المتجر لأول ٠٠٤ شخص يحضرون عُراة مشتريات تصل قيمتها إلى ٣٨٢ يورو للواحد. وقد أمضى أحد الشبّان الليل في خيمة نصبها أمام المتجر ليتأكّد من فوزه بالعرض. ولم يحالف الحظ ٠٢٣ زبوناً تأخروا في الوصول، غير أن المتجر قدّم لهم مع ذلك قميصاً قطنيّاً وسروالاً قصيراً ليتمكنّوا من العودة إلى منازلهم بشكل لائق)
حركات مناهضة لرسائل موجهة:
في خضم ذلك الزخم المُبعد للإنسان عن الاقتراب لذاته، والاستمرار المفرط في التقرب الأعمى لجسده حتى الإنكماش في جلده، بالرغم من انتشار »دين الجسد« Religion of Body وتوسّع مداركه السوقية والإعلامية وحتى القيمية منها متمثلة في الدعوة بصورة أو بأخرى إلى مذاهب الغوص في الجسد كمذهب »الطبيعيين« أو العراة »Nude«، أو المتطرفين في التعري»Nudity«، ليصبح للأول من خلال إجتهادات شخصية مرة ومنظمة مرة أخرى تحاول الإستناد إلى حجج دينية تُستمد من خلال الكتاب المقدس »الإنجيل«، كتبرير على »مذهب العراة«، ويحاول الثاني عبر تركيبة نفسية مصطنعة أن ترسم ملامح تدر الأموال الطائلة لتجار الإباحة والإغراء.
ويأخذ الجسد العاري مساحته الكبيرة ليكون محل جذب مطلق مغتّر به لدى العقل الغربي ليُسقط إيمانه بإلهه الجديد »الجسد« على مجتمعات أخرى، وقد يصل »التطرّف الجسدي العاري« إلى استخدام العُري كسلاح استقطابي، (قالت صحيفة »الحياة الجديدة« الفلسطينية، أنّه أثناء الاشتباكات والمواجهات التي جرت يوم الجمعة بين الشبّان الفلسطينيين والجنود الاسرائيليين في منطقة المنطار بالقرب من مدينة غزة »قام جنود الاحتلال بالاختفاء فجأة في مواقعهم العسكريّة ثم خرجت مُجندّة اسرائيلية واعتلت مقدمة دبابة وبدأت بخلع ملابسها أمام المتظاهرين حتى تعرّت بالكامل«. وأضافت الصحيفة »ما كان من الشبّان إلا أن تقدموا وأمطروا المجندّة بوابل من الحجارة والزجاجات الفارغة لكنها شرعت باطلاق الرصاص على رؤوسهم وصدورهم من خلال مسدس كانت تخفيه في ملابسها الداخلية، وأصابت تسعة من الشبّان بجروح مختلفة أُستشهد منهم اثنان)
بالرغم من كل ذلك فإن عقلانية المواقف والرؤى التي تحركها فطرة الإنسان السليم، ما زالت مرفوعة من خلال جماعات حريصة على معنى الإنسانية بكل مفرداتها في مجتمعها، وما زالت ترفع الصوت عالياً، وتردد صوت الإنسانية الخافت في خضم الإنغماس في مذهب اللذة إلى القاع والإنفلات من معاني احترام الذات والآخر حتى النخاع.
والفئة المستهدفة من قطاع المستهلكين هم الناشئة والشباب، فهُم مورِدَي »السوق الجسدي« في المستقبل القريب، لذا تكون الدعوة عليهم مركزة، ومع كل ذلك نرى الأصوات الفطرية تتحرك في خطوات تفتت تلك »الماكنة الإعلامية الجسدية الضخمة«.
ماذا تريد DISNEY؟
لقد قامت إحدى أكبر جماعات المقاطعة لمنتجات شركة سوالت ديزني»Walt Disney« وهي Southern Baptists بتشجيع الكثير من جماعات الرهبنة وحقوق الإنسان بالانضمام إليها في الحملة ضد Disney مثل Focus On The Family، Concerned Women Of America،و Assembly Of GOD والكثير غيرها، هذه الجماعات التي يبلغ تعداد أفرادها مليون، أكبر مجموعة بروتستانتية في الولايات المتحدة الأمريكية، تعرض بهدوء التهديد المالي لشركة Disney، فالكثير من هذه الجماعات تتهم Disney باحتوائها على رسائل جنسية من خلال أفلامها، ففي In Who Framed Roger Rabbit?، هناك لقطات تظهر فيها Jessica Rabbits الفاتنة بدون ثياب داخلية!!
وفي Alaaddin مشهد يطلق فيه علاء الدين صوته بالقول: (Teenagers take off your clothes) ( أيها المراهقون اخلعوا ثيابكم)
صُور أُخرى تأخذ طابعها القيمي السياسي عبر رمزية (Disney)، ليتحوّل الرمز الكارتوني إلى دلالة سياسية »تحررية« بالصيغة الأمريكية.
وللأطفال نصيب:
ويصل المد الجسديBody wave إلى الدلالة اللباسية لثياب الأطفال المتمثل بتقليد زي أبطال الأفلام الكرتونية، تذكر صحيفة (The Sun-Herald) الأسترالية، بأن مدارس الأطفال في »ملبورن« باستراليا منعت من ارتداء أزياء (Superman) و(Batman) و(The Terrifying Hulk)، لأن القائمين على شؤون التعليم يقولون إن أزياء أبطال المغامرات تشجع على اكتساب السلوك العدواني.
وقالت »مادلين كيلاواي« رئيسة »مركز رعاية الطفل« للصحيفة: (ثمة عنف كثير بين ظهرانينا نتيجة لهذا الأمر وتستطيع أن تسمع بسهولة قعقعة السلوك العدواني)، وأضافت أن منع أزياء الأبطال السوبر شجّع الأطفال على التوجّه نحو المزيد من الألعاب الإبداعية.
دعوة لفهم الآلهة وتفكيكها:
قيم تُدرس بدقة وتُدعم وتُصدّر للعالم بمختلف الأساليب ليكون المردود المادي مضموناً ومجزياً، عقيدة من نوع جديد، عقيدة تلامس أقرب ما فيك »جسدك«، ليكون كل ذلك التركيز الإعلامي الضاغط موجهاً مباشراً لاتخاذ سلوكيات تُشكل ضمن رؤىً تنشغل المرأة بجسدها وتوابعه، لتنتعش سوق »جمال وصحة الجسد (لدرجة) الهلوسة الاستهلاكية اللامعقولة« إزاء إمتددات الجسد اللباسية والتجميلية والكمالية والتغييرية والإغرائية،
لا ندعو إلى »الرهبنة اللباسية« المنسحبة في تصوراتها السلبية على مقتضيات الجمال المحبب للإنسان فطرياً، الدعوة تتلخص في كلمتين »اعرف نفسك« من خلال البحث الجاد لإيجاد موقع مؤثر لا مثير في الساحة التي بالإمكان التفاعل معها، دعوة تُبعد الفرد عن التصاقه الطفولي البحت بجسده ليأخذ منحىً آخر في البراءة المُدّعاة، لتتأطر عبر سبل تجارية بحتة تستنزف الفكر بقدر ما تستنزف المال، لتُدار الماكنة الجسدية عبر تروس مختلفة تتعدد من عناوين »الإباحية المباشرة« إلى »الإباحية المحتشمة« وهي غير مباشرة من خلال الكم الهائل من الضخ المتواصل من الإشارات البصرية اليومية التي لا تنفك في تشكيل وِردٌ صُوَري متكرر يضمن ذهابي لهذا المحل أو ذاك لشراء تلك الماركة أو هذه، إن المسألة بدأت تتجذّر في صميم تكويننا الذي بدأ يترسّخ لا في اللباس فحسب، بل في تعاملنا مع الآخر عبره - أي عبر اللباس - ليكون الحاجز الفاصل عن الآخر وفهمه كمترجم مادي لقيم الإثارة والتحدّي والتجديد وكل تلك العناوين البرّاقة الجاذبة، والمنطوية تحت ظل آلهة السوق الجديدة مثل »الكوكا كولا« و»ماكدونالد« وبقيّة الترنيمة التي لا تنفك عن بعضها البعض، ولها الموالين المخلصين في كل بقاع العالم، هي مجرّد دعوة هدوء وابتعاد جزئي عن خضم »حضور الآلهة وإزعاجها« لنرى أنها آلهة من صنع أنفسنا، وهذا لا يعني افتقار تلك الآلهة لعناصر القوة والتحرك الفاعل، إلا أن مفهوم القوة يتحقق عند نقصانها في الآخر، مثلها كالطاقة التي لا تنتهي ولكنها تتحول من صورة إلى أخرى، ومقدار التحول يشكله الطابع العام للظروف المحيطة بتلك الطاقة، وبعبارة أخرى أننا لا نرى الغَلَبَة القهرية متحققة مع وجود إدراك - مجرد إدراك - لحقيقتها، كونها بداية مؤهلة للخوض في مفرداتها وتحليلها وبيان الضعف فيها.
لغة القماش أصبحت ترنيمة مقدسة بمعنى الإنغماس اللاشعوري فيه لإله خلقناه في ذهننا وتعاملنا معه دون أي مشقة، لأنه ببساطة مثلنّاه فينا مادياً عبر الغرق في الجسد.
الايام البحرينية / 11 فبراير 2004