إمرأة قدرها اللون الأزرق
من الجزائر / نوال مسيخ
خاص - بوابة المرأة
تقول "ما أسعدني وأنا أعيش بين زرقتين" تقصد زرقة البحر وزرقة الزي الرسمي للشرطة في كيان جميل ورقيق إسمه المرأة، جمعت سميرة قبلي بين الشاعرة والضابطة وهي التي تقول: ( كان علي ذات يوم أن أختار : إما أن أكتب وإما أن أكتب فاخترت الحل الثالث : أن أكتب "شرطية هي لا تجيد فقط تطبيق القانون وإنما أيضا مداعبة الأحاسيس بكلمات تتحكم بها كما تتحكم بزناد السلاح الناري .
جمعت قاعة المحاضرات بالمكتبة الوطنية العامة بالجزائر العاصمة يوم الخميس 27جويلية /يوليو ثلة من الشعراء والفنانين والإعلاميين والساسة والوزراء السابقين، ورجال العلم والقانون، وفي مقدمتهم رجال الشرطة الذين إرتدوا جميعا بذلتهم الزرقاء ليحتفلوا بزميلتهم الضابطة سميرة قبلي، ليس لتقليدها وساما برتبة أرقى، ولكن لإعلانها عن مولودها الأول "إغواءات" ديوان شعر من طبع دار البرزخ للنشر.
هو الحدث إذا، أن تسمح المديرية العامة للأمن الوطني الجزائري لأحد منتسبيها – أوبالأحرى لإحدى منتسباتها بأن تطبع كتابا، لا يتضمن تجربة ميدانية ونظريات عن القانون ، وإنما قصائد شعرية يذوب من يقرأها لأن من كتبتها إمرأة تتقد بنار الشوق لصدر رجل به ينبض حرفها وشعرها. الكتاب غابت عنه كل مفردات القانون، فلا حديث عن الجريمة والحبس الإحتياطي والأغلال، ولا المطاردة ولا السلاح الناري الذي وضع – إستثناءا – جانبا. وإنما الحديث كان عن السهد والدمع والقنديل وسهر الليل وضوء القمر وحرقة القلب في بعد الحبيب.

الحدث من صنع إمرأة
الحدث من صنع إمرأة والحديث من نسج أنثى، هي شابة جزائرية على عتبة الثلاثينات من العمر، لأجلها كسر مبدأ التحفظ – ولو لحين – في المديرية العامة للأمن الوطني الجزائري، التي قال مديرها العام العقيد علي تونسي، في رسالة قرأها نيابة عنه أحد ضباط الأمن، أن الشرطة تعتز وتفخر بهذه الضابطة التي تستحق كل التشجيع وتتمنى لها المزيد من الإنجازات.
تعيش سميرة بين حرقة الحرف وطلقة الرصاص... مساحة زرقاء مشتركة هي قدرها، لم يكن لون حلمها غير اللون الأزرق، كانت تعشق البحر والحبر والكتابة، ومعهم نما حلم أزرق آخر وهو دخول سلك الشرطة.. وكان لها ذلك. وسط الرجال تعمل، منهم تتلقى الأوامر ولبعضهم تأمر. لكن القانون ليس لغتها الوحيدة في مخاطبة الرجل، وإنما هناك لغة أحن وأعذب وألين وأرق هي الأقرب لكيانها وأنوثتها التي لم ينقص منها شيئا، بل توجت بنجمتين على الكتفين.
من مواليد العام 1977 بأزفون ، خريجة معهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وخريجة الدفعة الثالثة "فضيلة سعدان" لمدرسة الضباط بقسنطينة، تعمل الآن ضابطة في أمن ولاية الجزائر. هذا فقط ما جاء على ظهرغلاف ديوانها الأول الذي إختارت له من الأسماء "إغواءات"، إسم يحمل الكثير ويوحي بالكثير وهي التي تقول في قصيدة "كمين المطر" (ليس هناك إمرأة سواي ستقطف من عينيك ضوء القمر ، ليس هناك إمرأة سواي ستطعم شفتيك الكسولتين المدللتين أحلى الثمر").
وفي قصيدة " أين يداك " تقول ( هما ، سرب من الحمام ، ينام الليل يا حبيبي ولا أنام ، هما جائعان خائفان يرتجفان من البرد فيمضغان الكلام ينتظران عاشقا يخطفهما يحررهما من القيد قبل فوات الأوان ... يعانقان السرير البارد يذهبان ويجيئان يأكلان بعضهما، قد يأكل الرخام الرخام ، وعندما يأتي الفجر يلبيان نداء الإمام ، ولو يدري عن رغبتي الإمام ؟؟ لو يدري ما يعيشه هذا المتعبد من حرمان ...) .
كان الروائي الجزائري رشيد بوجدرة من أبرز الضيوف الذين حضروا الأمسية والذي تحدث عن غرابة الظروف التي جمعته بسميرة قبلي قائلا: (كتبت روايتي التي كانت الشخصية المحورية فيها ضابطة شرطة خلال فترة الإرهاب، وبعد ستة أشهر قابلت سميرة فاستغربت وكأن الشخصية التي إخترعتها خرجت للواقع) وعبر نفس المتحدث عن إعجابه بالشاعرة قائلا (مستواها الثقافي والفني والأدبي رهيب، لقد تعرفت عليها رويدا رويدا من خلال قراءة كتاباتها التي وجدتها نسوية، أنثوية، حميمية وشبقية). ويختم الروائي كلامه بالإعتراف ( حقا إنه لشجاعة أن تكتب شرطية شعرا بهذه الطريقة ).
بدورها تحدثت سميرة عن فضل بوجدرة بالقول: (عرفاني للروائي الكبير والصديق الرائع الذي قبل أن يعود معي خطوات للوراء وأخذ بيدي)
بين الطلقة والحرقة
كان الموعد مع البيع بالإهداء، وقد تعبت يد سميرة من التوقيع والإهداء إلا أنها لم تكل الإبتسام بوجوه كل الحضور الذين كانوا كثر، "بوابة المرأة" رصدت إنطباعات البعض منهم:
يقول الدكتور محي الدين عميمور، وهو وزير سابق للإتصال والثقافة بالجزائر، (إنها شاعرةمميزة وهناك معطيات تجعلها تستحق التشجيع، ثم إن المرأة الجزائرية إقتحمت كل الميادين، وإنه لأمر رائع ان تجتمع الضابطة مع الشاعرة في شخص واحد) .
ولا عجب أن تشع عينا سميرة قبلي بالسعادة وهي ترى أن رموز الجزائر حضروا لمشاركتها فرحتها، مثل السيدة لويزة حنون زعيمة حزب العمال الجزائري، وهي أول إمرأة جزائرية تترشح للرئاسيات. والسيدة أنيسة بومدين زوجة الرئيس الجزائري الأسبق المرحوم الهواري بومدين، والتي صرحت لبوابة المرأة قائلة: (يسرني جدا أن أجد ضابطة تنظم الشعر لقد بينت قدرة على نظم أنغام شعرية وملأت شعرها بإحساس جميل وإنفعال كبير جعلنا نشعر أنها عاشت ما تكتبه).
أما السيدة بن حبيلس وهي وزيرة سابقة مكلفة بالتضامن الوطني فقالت لبوابة المرأة: (أنا فخورة جدا بهذا المكسب الذي يضاف لمكاسب المرأة الجزائرية وصمودها بمختلف الوسائل، إنه دليل على التمسك بالسلم وحب الحياة لقد أعجبت حقا بشعرها، إنه رائع )
وقد بدى السيد سفيان حجاج مدير دار البرزخ للنشر التي تكفلت بطبع الديوان، سعيدا وهو يرى صاحبة " إغواءات توقع نسخا عن كتابها للمعجبين، وفي تصريح خص به بوابة المرأة قال: (أول مرة إلتقيت بها أعجبت كثيرا بنصوصها وقلت لها أنت شاعرة، لقد أعجبتني نوعية نصوصها بغض النظر عن مهنتها. بعدها يأتي إعتبار أنها ضابطة شرطة وهو دليل على أن الجزائر تعافت من أزمتها الأمنية، فلو رجعنا لسنة 2000 مثلا ما كان ممكنا أن يصدر ديوان شعر لضابطة شرطة).
حظيت الامسية بتغطية جيدة من وسائل الاعلام وخاصة الاذاعة والتلفزيون، وكان لبوابة المرأة فرصة للانفراد بالشاعرة الضابطة في لقاء قصير وسألتها:
- لديك سلاحين الكلمة والرصاصة فأيهما أقوى بيدك؟
فردت دون أن تتخلى عن شاعرية الحرف في حضور الرصاصة (لا أظن أن هناك فرق بين الحرقة والطلقة ، فلكليهما نفس المصدر ونفس المسار).
- هل توقعت يوما وأنت صغيرة تحلمين، أنه سيأتي يوم تجمعين فيه أبرز شخصيات الشعر والشرطة بالجزائر في قاعة واحدة ليصفقوا لك بحرارة مثلما حدث اليوم؟
فردت كمن يطلق الرصاص متيقنا من إصابة الهدف (لست أنا من جمعتهم وإنما هو الشعر الذي جمعهم)
- مولودك الأول أسميته "إغواءات" فمتى سيولد الإبن الثاني وماذا ستسميه؟
فأجابت: (قريبا . وسأسميه على وزن إغواءات، يمكن غوايات أو إغراءات ...)
وقفة تضامن مع لبنان
لم تفوت سميرة قبلي فرصة حضور كل وسائل الإعلام الجزائرية لتعبر عن تعاطفها مع الشعب اللبناني وكذا الفلسطينيين لما يتعرضان له من عدوان يهودي ظالم ، بكلمة إستلهمتها من تاريخ المواقف الجزائرية إزاء قضايا الأمة العربية فقالت (لا أستطيع أن أقول إلا ما قاله كبيرنا المرحوم الهواري بومدين (رئيس الجزائر الأسبق) نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة)..
كما ألقى شعراء جزائريون قصائد نظموها عن لبنان الجريح .فكانت قصيدة زوبير دردوخ بعنوان " شعب يموت وأمة تتفرج " بعدها كان الحديث عن "تحرير الجنوب" مع الشاعر بوزيد حرزالله، في حين ألقت الشاعرة المميزة ربيعة جلطي قصيدة شدت الإنتباه وهي تتحدث عن تعب أمريكا من خضوع العرب لها .