تأجيل النظر في قضية المغتصبات جماعيا
من الجزائر- نوال مسيخ
عادت أحداث يوليو/ تموز 2001 بمنطقة حاسي مسعود الواقعة بالصحراء الجزائرية لتطفو إلى السطح ليسترجع الجزائريون ذكريات الهجوم الهمجي العنيف الذي كان أبطاله ما يزيد عن مائتي رجل قاموا بالإعتداء على عدد من النساء بالنهب والسرقة والإغتصاب والحرق طيلة ليلة كاملة .
حيث قررت محكمة الجنايات بمجلس قضاء بسكرة في جلستها المنعقدة يوم 17 من شهر مايو الحالي بتأجيل النظر في القضية التي اشتهرت ب " قضية المغتصبات" والتي أثارت خلال فترة 2001 الرأي العام وأسالت الكثير من الحبر وإحتلت مساحات هامة في الصحف الجزائرية.
التأجيل جاء بطلب من دفاع الضحايا بغرض الإطلاع أكثر على الملف ، ولتمكين خمس ضحايا أخريات من الحضور وتعود وقائع القضية إلى إحدى ليالي شهر يوليو/تموز عندما قامت مجموعة من الرجال يتراوح عددهم بين 250 و 300 وفق التقارير المقدمة من طرف مصالح الشرطة والعدالة ، بالإعتداء خلال ليلة كاملة وحتى اليوم الموالي (1)على أربعين امرأة كن حينها يقطن بحي حاشية وتعشن بمفردهن.، بعد أن قدمن من مناطق أخرى من البلاد ، بغرض البحث عن العمل في منطقة حاسي مسعود الصحراوية الغنية بالنفط ، وبالفعل عملن كمنظفات وطاهيات في المطاعم ، بينما من كان حظهن أحسن ومستواهن التكويني أرقى عملن كسكرتيرات .
في حين تشير جهات أخرى بأنه من بينهن من كانت تعيش برفقة عائلتها وأولادها .وقد تعرضت النساء لعنف لا حدود له حيث تم سلب وسرقة ممتلكاتهن وإن كانت متواضعة ، كما تم حرق غرفهن .
والأفضع أن المعتدين قاموا بإغتصاب النساء وإجمالا فقد تعرضت النساء الى التعذيب والضرب والحرق والطعن بالسكين وحسب الجمعيات النسوية الناشطة بالجزائر (2) هناك من بين النساء من دفنت حية! هذا العنف الرهيب وغير المبرر والذي يرجع البشرية قرونا الى الوراء ، حاولت جهات ربطه بما جاء على لسان أحد أئمة المساجد من أن هؤلاء النساء عاهرات، وهي المزاعم التي جاء على ذكرها تقرير لمنظمة العفو الدولية حول الجزائر والذي قدم للجنة" القضاء على التمييز ضد المرأة " (3) بينما نفى آخرون من أن تكون للإمام علاقة بكل ما حدث لا من بعيد ولا من قريب .
ورغم أن الإعتداء سافر وخطير إلا أن ردود الفعل لم تكن قوية، على الإقل بحجم الجريمة المرتكبة ، ويعد الصوت النسوي الصوت الأعلى ،إن لم يكن الوحيد ، المنادي بمعاقبة مرتكبي هذه الإعتداءات الهمجية ،حيث أصدرت مؤخرا إحدى عشر جمعية وهيئة ناشطة في مجال حقوق المرأة بيانا مشتركا تحت عنوان " العدالة للنساء في خطر جاء فيه بأن " المؤسسات المهنية وحتى مسيري الشركات و كذا الأحزاب السياسية لم يحركوا ساكنا أمام هذا العمل الدنئ الذي يمس الإنسان وحقوقه بل فضلوا الصمت حفاظا على مكانتهم ومؤسساتهم " البيان وقعته كل من ( شبكة وسيلة ) ،( التجمع الجزائري للنساء الديمقراطيات) ، (بنات فاطمة نسومر ) ، (جمعية حماية و ترقية حقوق المرأة ) ، ( أفيباك ) ، (ثاروا نفاطمة نسومر)، (مجموع نساء أمدياس ) ،( نساء الربيع الإسود ) ، (جزائرنا ) ، ( جمعية ترقية المرأة ) حيث تساءل الموقعون "ما الذي نعيبه على هؤلاء الجزائريات ؟ لأنهن كانت لديهن الشجاعة للسفر بعيدا والإبتعاد عن عائلاتهن لكسب قوتهن وقوت عائلاتهن ؟ أم لأنهن لسن تحت حماية ومراقبة الرجال أو التجمع العائلي ؟ "
أما فيما يتعلق بالمتهمين فبعد أن تم القبض في وقت لاحق من الإعتداء، على أربعين رجلا تنازل عددهم مع مرور الوقت، وحسب تقرير منظمة العفو الدولية المقدم في ديسمبر /كانون الأول 2004 للجنة " القضاء على التمييز ضد المرأة " فانه وبعد إخلاء سبيل عشر من المتهمين حكم على البقية بالسجن في يونيو /حزيران 2002 مددا تصل إلى 3 سنوات ، لمشاركتهم في تجمع غير قانوني و إرتكاب السرقة المشددة ، ولم تصدر في حق أي منهم إدانة بارتكاب الإغتصاب ، بسبب حقيقة أن النساء لم يستطعن إبراز الشهادة الطبية اللازمة لتاييد مزاعمهن بالإغتصاب وغيره من الإعتداءات الجنسية العنيفة
وما تجدر الإشارة إليه أنه خلال جلسة الثالث من يناير/ كانون الأول من العام 2005 حضرت فقط ثلاثة نساء من أصل 39 إمرأة معتدى عليها ، حضرن لمحكمة الإستئناف ببسكرة وهن النساء اللواتي " كانت لديهن الشجاعة للخروج من صمتهن والتنديد بهذه الفضائح " وقد " مثل أمام العدالة ستة متهمين خلال تلك الجلسة وأطلق سراح ثلاث منهم لعدم تمكن الضحايا من التعرف عليهم ، في حين تم التعرف على كل المتهمين أمام قاضي التحقيق من طرف عدد كبير من الضحايا الأخريات " يذكر أن باقي المتهمين الذين كانوا قد استفادوا من الإفراج المؤقت ، حكم عليهم غيابيا نظرا لعدم حضورهم الجلسة.يقول البيان الذي يوضح بأنه تم اصدار حكم غيابي في حق متهم واحد من بين 23 متهما سيمثلون أمام محكمة بسكرة ، وفي هذا السياق تساءل الموقعون " والآخرون ؟ لماذا لم يتم العثور عليهم بعد ؟ ما يعنيه هذا التماطل في الفصل في هذه القضايا أم هي استراتيجية تقزيم أو تبخير جريمة جماعية منظمة ؟
قضايا الشرف أو ما يعرف بالقضايا الإخلاقية لا يزال يلفها جو خاص في الجزائر ، و لا يزال هناك كثيرون ممن يحكمون على المرأة على أسس واهية وسطحية، كما لا يزال هناك من يعارض بشدة خروج المرأة للعمل ، بل وهناك من يحكم على التي تتعرض لتحرش أو إعتداء جنسي من الرجال بأنها السبب فيما يلحق بها من أذى، فلولا "تحررها" ما كان الرجل ليعتدي عليها، و كأن الطريق الوحيد في نظرهم لحماية نفسها هو البقاء بالبيت ، لذلك فإن الكثير من النساء تمتنعن عن رفع شكوى ضد المعتدين عليها جنسيا فهي تدرك مسبقا أن المجتمع لن يرحمها ولن يكون إلى صفها، وهو ما يفسر إحجام أغلبية النساء المعتدى عليهن في حاسي مسعود من حضور المحاكمة.
وفي هذا السياق نشير إلى أن الأفكار الظلامية التي ترى في( بقاء المرأة في البيت أمر لا يناقش) لا يجب أن تعمم على كل الرجال في الجزائر ،لأنه ليس بالعدل إنكار وقوف رجال إلى جانب المرأة في نضالها في سبيل حصولها على حقوقها .
وتظل العدالة الأمل في إنصاف المظلومين أو بالأحرى المظلومات اللواتي تخلى عنهن المجتمع ، الذي يتحول أحيانا في بعض الأماكن إلى غاب ، يأكل فيه القوي الضعيف ويحقق فيه كل واحد القانون الذي وضعه لنفسه وصممه حسب مقاساته.
__________________________________________________________________________
هوامش:
(1) جاء ب "العدالة للنساء في خطر " البيان الصحفي الذي وقعته و نشرته بالصحافة الجزائرية، الصادرة بتاريخ 18 مايو ،2006-جمعيات و هيئات جزائرية و التي ذكرت في الموضوع أعلاه.
(2) يقصد بها الجمعيات النسوية الموقعة للبيان .
(3)تقرير مقدم من قبل منظمة العفو الدولية إلى" لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة "في ديسمبر /كانون الثاني 2004 . الوثيقة تحمل رقم 2004/011/28 MDE. فيها لفتت المنظمة انتباه لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة إلى بواعث قلقها المتعلقة بتنفيذ الجزائر لإتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة قبل النظر في التقرير الدوري الثاني للجزائر .وقد ركز التقرير الموجز على بواعث قلق منظمة العفو الدولية المتعلقة بالعنف ضد المرأة في الجزائر .